«اصنع في الإمارات».. أكثر من شعار

ربّ ضارةٍ نافعة.. هذا القول الذي يتردد في ذهني كلما تأملت واقعنا الإماراتي، وما يشهده من تحولات إيجابية، لا سيما بعد أزمة فيروس كورونا التي شلّت العالم، وأربكت الدول، وأعادت ترتيب الأولويات. أزمة أظهرت هشاشة الاعتماد على الخارج، حين تعطّلت سلاسل الإمداد، وأُغلقت الحدود، وباتت السلع والخدمات مهددة بالندرة.

من رحم تلك التحديات، برزت أهمية الاعتماد على الذات، وعلى وجه الخصوص تعزيز الصناعة الوطنية ودعم الشركات المحلية، في ظل توجيهات القيادة الرشيدة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، وضمان أمن المواطنين والمقيمين في جميع الظروف. هذه الرؤية ليست طارئة، بل متجذرة في نهج دولة الإمارات منذ تأسيسها عام 1971، حين أصرّ الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على زراعة الصحراء، متحدياً كل من قال إن التربة والمناخ لا يساعدان. فكان له ما أراد، وزُرعت الأرض، وأثبتت الإمارات أن الإرادة تفوق الإمكانات.

اليوم، ونحن نعيش عصراً صناعياً جديداً، تحكمه التكنولوجيا وتوجهه الأفكار المبتكرة، تقف الإمارات في موقع متقدم. ولعل منتدى «اصنع في الإمارات 2025» الذي اختُتمت دورته الرابعة مؤخراً، هو أكبر دليل على ذلك. فالمنتدى لم يكن فعالية اقتصادية فحسب، بل منصة استراتيجية لرسم مستقبل الصناعة الإماراتية، وتعزيز حضورها العالمي. الصناعة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل رافعة حقيقية للتنمية. فهي تولّد الوظائف، وتُعزز الإنتاجية، وتدعم الصادرات، وتُسهم في بناء بنية تحتية مستدامة.

ومن هنا، تأتي أهمية الإستراتيجية الصناعية للدولة، التي تستهدف رفع مساهمة هذا القطاع الحيوي إلى 300 مليار درهم في الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2031. لكن الطموح الإماراتي لا يقف عند حدود الصناعة التقليدية، بل يمتد إلى مجالات المستقبل: الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وتكنولوجيا الفضاء، والطاقة المتجددة. وقد أثبتت الدولة أنها لا تواكب العصر فقط، بل تستبقه بخطوات. والدليل: مجمع الذكاء الاصطناعي الإماراتي – الأميركي، الذي أُعلن عن إنشائه ليكون الأكبر من نوعه خارج الولايات المتحدة. الأهم من كل ذلك، أن الإمارات تضع الإنسان في قلب رؤيتها الصناعية. فتمكين الكوادر الوطنية، ودعم المواهب الشابة، وتطوير المهارات، بات أولوية قصوى. لأن بناء قاعدة صناعية متينة لا يتحقق بالآلات فقط، بل بالعقول الطموحة والإرادة القوية.

من المهم أن نُدرك أن تطوير الصناعة ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية مشتركة لكل فرد ومؤسسة. فكل درهم يُستثمر في منتج وطني، هو لبنة في صرح الاكتفاء الذاتي، وكل فكرة تُنفذ محلياً، هي خطوة نحو التميز العالمي. «اصنع في الإمارات» مفهوم يحمل بُعداً تحفيزياً لكل من المستثمرين والمصنعين ورواد الأعمال، فيوجه رسالة لهم بأن الإمارات ماضية في توفير البيئة المثالية للصناعة: بنية تحتية عالمية، تشريعات مرنة، حوافز مجزية، وشراكات دولية. وفي الوقت نفسه، يدعو المجتمع لدعم المنتج المحلي، والمساهمة في نموه وجودته وتنافسيته.

ولهذا كله، «اصنع في الإمارات» ليس شعاراً أو حملة دعائية، بل هو مشروع وطني شامل، يربط بين السياسة والاقتصاد، والتعليم والتكنولوجيا، والسيادة والاستدامة، كما يعكس كمشروع رؤية قيادة تُخطط للمستقبل، وتعمل من أجل أجيال الغد، وتؤمن بأن الإمارات لا تنافس أحداً، بل تنافس نفسها، كما أنه ليس مشروعاً مؤقتاً، بل هو حجر زاوية في خطط التنمية المستدامة. فكل مصنع يُقام، وكل منتج يُصدر، وكل وظيفة تُخلق في قطاع الصناعة، تُسهم في تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط لأن موارد كثيرة غيره يمكن الاعتماد عليها لإنتاج ما نريد.