
• يجمع كتابك بين السيرة التقليدية والأسلوب الأدبي الحر. كيف تصنّف عملك وسط الموجة الحديثة من الأعمال التي تدمج السيرة المتخيّلة مع الوقائع التاريخية؟ وما الذي يمنح هذا المزج شرعيته الفنية في نظرك؟* ما يمنح هذا المزج شرعيته هو الكاتب نفسه، ثم صموده في وجه اختبارات قاسية، من قراء وأكاديميين ومهاويس بأم كلثوم، ينبشون كل كتاب حولها صفحة صفحة، بحثًا عن خطأ، أو هفوة، أو ارتباك، أو تناقض. وأكبر اختبار في رأيي هو اختبار الزمن، ومدى قدرة الكتاب على أن يحظى باهتمام قراء المستقبل. كتابي سيرة تمزج بين الوقائع والخيال، لكن بمقادير محسوبة، بمعنى أن الهيكل العام، أو فلنقل الإطار الجامع لقصصه الخمسين هو وقائع جرت، أما الخيال فيملأ الفراغات بتفاصيل وحوارات وحكايات فرعية لا يمكن أبدًا التفريق بينها وبين الوقائع.
• كيف انتقيتَ اللحظات المحورية في حياة أم كلثوم والتي بنيتَ عليها السرد؟ هل اعتمدتَ على معايير موضوعية (كالأهمية التاريخية) أم شخصية (كمدى إضاءتها لجوانب مجهولة)؟
* المعيار الأساس كان الحكايات التي صنعت أسطورتها، وهذا لا يعني تفضيل الحكايات الكبرى في حياتها، لكني أقصد الجوانب التي منحت ثومة جاذبيتها، مثل علاقتها بعشاق صوتها، وبعضهم كانت تعرفه بالاسم، مثل حافظ الطحان. لقد ربطتها به وبزوجته علاقة طيبة بعدما صارت جملته “عظمة على عظَمة يا ست” علامة على نجاح حفلاتها، وكذلك شخصيتها القوية، التي جعلتها قادرة على إدارة مملكة تضم مواهب فريدة، ولو كانت ضعيفة لربما انحرف مسارها تحت ضغط نرجسية الشعراء والملحنين وتمسكهم بكل حرف وكل نغمة، وكذلك لربما قبلت مجاملة عشرات عرضوا عليها القصائد أو الألحان ورفضتها ببساطة. المعيار الثاني هو ضرورة اكتمال الصورة، ومن ثم رأيت أنه يجب تقديمها في جميع حالاتها، المطربة الباحثة عن المجد، الفتاة التي ترغب أن تعيش قصة حب أسطورية، المرأة المتهكمة التي يهرب الرجال من قفشاتها اللاذعة، السيدة المعذَّبة بحلم الأمومة، المجنونة التي تنظر في المرآة وتقول لنفسها: “يخرب بيت جمالك”! هاوية التحف والأنتيكات ولوحات الفن التشكيلي والموضة… إلخ.
• بناء حكايات خيالية عن شخصية واقعية كأم كلثوم يحمل مخاطرة. ما التحديات التي واجهتها في جعل هذه الحكايات مقنِعة من دون اختراق الهالة الرمزية المحيطة بها؟
* حين تؤلف “قفشة” على لسان أم كلثوم مثلًا يجب أن تكون حذرًا حتى لا تحولها إلى امرأة سليطة اللسان. هناك فارق بين التهكم المقبول وسلخ الناس وتجريدهم من آدميتهم. محمد القصبجي مثلًا صبغ شعره حتى صار فاحمًا، وحين رأته قالت له: “راسك بقت شبه الختَّامة تمام”! هذا موقف حقيقي سردته الدكتورة نعمات أحمد فؤاد في كتابها “عصر من الفن”، وحين تقرأه لا يمكنك أن تمنع نفسك من الضحك، من دون أن تشعر أنها نالت من كرامته. كان هذا معياري حين أؤلف جملة على لسانها، أحرص على أن تشبهها وتشبه لغتها وطريقتها، وإن لم تضحكني وأنا أكتب أمسحها فورًا. أيضًا فهمي للفن وطريقتي في كتابة القصة القصيرة تبدأ من قناعة محددة، وهي أن تلامس قدماي الأرض، طوال الوقت، ثم انعطف كيفما يحلو لي إلى الخيال، ومن ثم كتبت سيرة أم كلثوم بتلك الخبرة، أن أنطلق من وقائع حقيقية، ثم يعمل الخيال دور المحفز على القراءة، وإن كانت الوقائع شديدة الجاذبية فما بالك بالتفاصيل الخيالية؟ لكني أعود وأقول إنني لا أخشى أن يظهر لي أحد بعد يوم أو شهر أو أعوام محتجًا: هذه المعلومة خاطئة! لقد قضيت وقتًا ممتعًا وشاقًا في البحث، وحينما أفاجأ بأن بعض الحارات “سد”، كنت أغيِّر وجهتي، وأصنع طرقًا بديلة توصلني لما أريد.
• ركزتَ على تفاصيل غير مألوفة في حياتها (كعلاقتها بالبيض، أو ذوقها في الملابس). كيف تُفسّر دور هذه “التفاصيل الصغيرة” في تشكيل صورة مُركبة لفنانة عظيمة؟
* أردت أن أرسم أم كلثوم في جميع حالاتها، المطربة التي تحيط بها هالة وترفعها في عيون الناس إلى مراتب الملائكة والقديسين، البسيطة التي تعاني الأرق، وأعراض الغدة الدرقية، وتجعل “البَيض” -الذي يحذرها الأطباء من الإفراط في أكله- مكافأتها بعد كل حفلة، الساخرة التي لا تكف عن الضحك والدهشة، وهي ترى أفعال الناس الغريبة، يطلبها رجل صعيدي في “بيت الطاعة” رغم أنها لم تقابله في حياتها فتضحك، وتثور عليها الصحافة، لأن كلبها عضَّ عسكريًا فتضحك، ويتنمر عليها الناس لأنها اشتكت من مكبّر صوت أحد الجوامع فتضحك، ويلقبها البعض بأنها “صاروفيم” اعتقادًا منهم أنها بخيلة فتضحك، ويشتمونها لأنها تتنكر لأهل قريتها “طماي الزهايرة” فتضحك! وعلى الرغم من تعدد حالاتها وتركيب شخصيتها، فإنك لا يمكن أن تحصرها في صورة واحدة. هي مثلًا ليست بخيلة، لكنها لا تنفي هذه الشائعة، لأنها تحميها من الجشعين، ولا حاجة بها لأن تقول للعالم إنها حولت فيللتها في شارع أبو الفدا إلى “بنسيون” لأقاربها!
• لا يتجنب الكتاب لحظات ضعفها الجسدي أو الإنساني. هل هذا اختيار واعٍ لـ”تكسير الأسطورة” وإظهارها كشخصية بشرية؟ أم أنك ترى أن هذه الجوانب تعزز من عظَمتها؟
* تلك الجوانب البسيطة تبرز عظمتها فعلًا. مشاهد معاناتها مثلًا مع مرض الغدة الدرقية متناثرة في الكتاب، لكني خصَّصت لها قصة، تبرز قوَّتها، وتحمَّلها لأجل خاطر الناس. وقد حاول الطبيب منعها من الغناء في حفلة “القلب يعشق كل جميل” بعدما لاحظ تعبها وانهيار جسدها الوشيك، لكنها كانت تأمل أن ترى الناس لمرة أخيرة، كما أنها وعدت الله بالغناء. لازمها الطبيب كظلها، وفي مدّة الاستراحة دلك قدميها، وحاول إثناءها عن المواصلة، لكنها عادت إلى المسرح، وغنَّت حتى خانها صوتها، وانشرخت حنجرتها، ولحقوها قبل السقوط بلحظات. ذلك المشهد ليس دليل ضعف بقدر ما هو تجسيد لشخصيتها الفريدة المضحية، والمحبَّة للحياة والرافضة للاستسلام والخنوع.
• في رأيك، ما السر وراء بقاء أم كلثوم حاضرة في الوجدان العربي رغم تغير الذائقة الفنية؟ وهل شعرت خلال الكتابة بأنها “تتحدّث” إلى القارئ المعاصر بلغة مختلفة؟* أم كلثوم امتلكت شخصية قوية حمت موهبتها، أولًا من الراغبين فيها كامرأة، صحيح أنها عاشت قصص حب، لكن على هامش العمل، فلم تجرفها تلك المشاعر، ولم تسيطر عليها، أو تتحول إلى نقمة تخنقها إذا فشلت. وثانيًا أنها رفضت عشرات الأغنيات والألحان، لأنها لا تليق بها، أو لأنها لم تجد نفسها فيها، ومنها أغانٍ حولها الشعراء فيها إلى امرأة خانعة وذليلة في عرين الرجل، إنها امرأة تقف بشموخ وصفاء وندية في وجه حبيبها، ولا يمكن أن تقبل تلك الأغاني المهينة. وثالثًا أنها امتلكت الشجاعة الكافية لتطلب من هذا الملحن أو ذاك الشاعر، تغيير مقام، أو كلمة، بل إنها دخلت المحاكم حينما اضطرتها الظروف دفاعًا عن فنها. ورابعًا أنها حمت نفسها من الشيخوخة الفنية، صحيح أنها أحاطت روحها بالأساتذة الكبار مثل الشيخ أبو العلا، وصبري النجريدي والشيخ زكريا أحمد ورياض السنباطي ومحمد عبده صالح ومحمد القصبجي، إلا أنها ظلت تبحث عن إكسير الفن لدى الشباب، فأهداها صديقها محمد فوزي أعظم هدية، أعني الملحن الشاب بليغ حمدي، وبليغ جرَّ في يده صديقه الشاعر عبد الوهاب محمد، وكذلك لا ننسى محمد الموجي وغيره. وخامسًا أن أم كلثوم شجرة باسقة جذورها تمتد إلى سابع أرض، جذور تُروى بماء القرآن والابتهالات والأناشيد، وكافة أشكال تراث الغناء العربي العظيم.
• كيف تتوقع أن يساهم هذا الكتاب في حوار الأجيال حول أم كلثوم؟ هل تهدف إلى تحرير صورتها من الماضي أم إعادة تعريف الشباب بها من خلال نظرة جديدة؟
* قارئتي المفترضة هي ابنتي صوفي (21 عامًا)، ولذلك أكتب بلغة تناسبها وتناسب جيلها. أقول بتواضع إنني في تدريب مستمر على اللغة منذ ثلاثين عامًا، أريد أن أكتب ببساطة وعمق، وأن تمسك كتابتي بروح القارئ فلا يفلتها بسهولة، أو يفلتها ولديه رغبة أكيدة وصادقة في العودة إليها، وهذا ما أتمنى أن أحققه بسيرة أم كلثوم. الآن وبعد أقل من شهرين على صدور الطبعة الأولى صدرت الطبعة الثانية، ولأن دار نشر “ديوان” لديها تقاليد خاصة، فهي لا تكترث كثيرًا بالإعلان عن الطبعات الجديدة، حتى إنها تشير إليها في صفحة داخلية لا على الغلاف، وما يجعلني مطمئنًا لاستقبال الكتاب أيضًا، هو صدور طبعتين خاصتين، إحداهما Hard Cover، والثانية بالاشتراك مع مركز أبوظبي للغة العربية.
