أبوظبي (الاتحاد)
«في القسم، التزم سالڤاتوره الصمت الذي بدأه في المستوصف. حدث شيء ما في ذهنه أدَّى إلى حدوث قصر في الدائرة الكهربائية مع الحياة التي عاشها حتَّى تلك اللحظة: فجأة لم يعد هناك أيُّ معنى للذهاب إلى المصنع كلّ يوم، ولذلك التكرُّس للعمل والالتزام به، وأكثر من ذلك: الإخلاص في أداء المهمَّة التي أُوكِلَت إليه، الركض فوق شبح درَّاجة نارية بعد إثبات حضوره على قطعة من الورق المقوَّى.
لم يعد هناك أيُّ جدوى من التظاهر بالوجود السوي الكامل، وغير الضارّ، والمرحَّب به، والذي تمثَّل في تقليد – لمدَّة ثماني ساعات تقريباً في اليوم – ضجيج محرِّك درَّاجة من ماركة غوتسي بفمه.
كان لا ينهض من فراشه إلَّا قليلاً، ويظلُّ ساكناً لساعات تحت الغطاء، وأحياناً يخشى أن يقع بصره على شيء ما يتحرَّك خارج النافذة، قد يظهر فجأة مثل وميض البرق، وبالرَّغْم عن بحثه عن ذلك الشيء، كائناً ما كان، أفزعه ما شعر به: السكينة التي يتخيَّلها في منظر طبيعي من الغابات، من أنهار وتلال كلسية، يعكِّر صفوها طلقات مدفعية، يعلو دَوِيُّها فوق كلِّ شيء، فتمحو أيَّ محاولة للنهوض والخروج مرَّة أخرى».
هذا المقطع يعكس أجواء رواية «بخلاف ما سبق، لا شيء تجدر الإشارة إليه» للكاتبة الإيطالية فرانشِسكا ڤالِنتِه، والتي صدرت مؤخراً عن دار المتوسط بترجمة نجلاء والي، وسبق للرواية أن حصدت جائزة إيتالو كالفينو لعام 2021، وهي حسب ما أشارت إليه (المتوسط): «نص نادر ورفيع، وتجرية أدبية ملهمة وجديدة، خاضتها فرانشِسكا ڤالِنتِه في أول رواية لها حين استطاعت خلق عمال أدبي، من شذرات تقارير القسم النفسي بمستشفى ماوريتسيانو في مدينة تورينو بإيطاليا في الفترة من عام 1980 إلى 1984، ومن الحكايات التى رواها الطبيب النفسي لوتشانو سورتينو الذي عمل في السنوات التي أعقبت إغلاق المصحات العقلية في إيطاليا بعد صدور القانون رقم 180 لسنة 1978، والذي يعود الفضل في إصدار إلى الطبيب النفسي فرائكو بازاليا ونظريته في العلاج النفسي التي أحدثت ثورة كبيرة في التعامل مع المرضى العقليين والنفسيين. «بخلاف ما سبق، لا شيء تجدرالإشارة إليه».. كانت هي العبارة التي تختم بها الممرضات جميع التقارير اليومية، لكن فرانشِسكا ڤالِنتِه اكتشفت أن هناك الكثير الذي تجدرالشارة إليه: حكايات لأصوات متعددة تشكلت من إشارات قليلة في تلك الدفاتر، ولدت هذه القصص ونمت قصصاً تمزج بين الواقع والخيال؛ لأن العديد من الناس ممن مروا في الأقسام، وفي مراكز التأهيل المجتمعي التي نشأت بعد تعديل القانون، تركوا وراءهم شذرات صغيرة، البقية تقع في عتمة الكسوف، ولأن كل قصة من هذه القصص هي رواية محتملة لشيء ما حدث بالفعل؟».
المترجمة نجلاء والي حاصلة على دكتوراه في الآداب في اللغة الإيطالية بدرجة الشرف الأولى من كلية الألسن – جامعة عين شمس في مصر، وماجستير في الأدب العربي والدراسات الإسلامية من جامعة الدراسات الشرقية في نابولي في إيطاليا.
تعمل حالياً مدرسة للغة العربية وتقنيات الترجمة من اللغة العربية إلى الإيطالية بجامعة تورينو. وصدر لها العديد من الترجمات بين اللغتين العربية والإيطالية.
