«وجدت نفسي».. الأحلام الأخيرة
قبل مائة عام انتقل مقر القنصلية الفرنسية في القاهرة من حي الأزبكية إلى شارع الفضل وسط القاهرة، وفي عام 2014 أصبح المبنى موقعاً استثمارياً.. يقدم خدماته للكثير من الفعاليات لاسيما الثقافية والأدبية.
في أكتوبر 2024 زرت الموقع الذي أصبح اسمه «مبنى قنصلية» لحضور ندوة للأديب الليبي العالمي هشام مطر.. وعلى الرغم من أنني لم أصل متأخراً إلا أنني وجدت القاعة وقد امتلأت، وقضيتُ الوقت واقفًا مع كثيرين.
كانت الأديبة أهداف سويف هي محاورة هشام مطر، وكان المهندس إبراهيم المعلم رئيس مجلس إدارة الشروق هو المضيف، وأما الحضور فقد كان متنوعاً، ومتعدد الجنسيات.
ناقشت الندوة كتاب مطر «شهر في سيينا»، وهو الكتاب الذي نقلته إلى العربية المترجمة العُمانية زوينة آل تويّة، و«سيينا» هي مدينة إيطالية جميلة، زارها مطر مع زوجته، وقضى فيها شهراً، وانفعل بجمالها وروحها، فكتب نصّاً غير معتاد يجمع أدب الرحلات والمذكرات الشخصية.
لقد تذكرت هشام مطر من جديد، وأنا أقرأ عن ترجمته لعمل نجيب محفوظ الفريد «الأحلام الأخيرة»، حيث نقلها مطر من العربية إلى الإنجليزية، لتصدر عن دار بنغوين.
ولد هشام مطر عام 1970 في ليبيا، وعاش بعض الوقت في مصر، ثم انتقل للحياة في الغرب، وقد حازت أعماله على جوائز عديدة، وفي عام 2017 حاز جائزة بوليتزر عن مذكراته «العودة».
روى مطر – في ترجمته – قصة لقائه الوحيد بنجيب محفوظ، والجملة التي لايزال مطر يتذكرها لمحفوظ «أنت تنتمي إلى اللغة التي تكتب بها». ثم روى أنه قام بترجمة بعض الأحلام لتقرأها زوجته، ثم واصل ترجمتها ونشرها.
في نهايات حياته كتب نجيب محفوظ عمله الشهير «أحلام فترة النقاهة» ثم عمله الختامي «الأحلام الأخيرة». وبالنسبة لي فإنني مأخوذ للغاية بهذه الأحلام المدهشة، إنها أحلام معقدة وصافية، سهلة وعميقة، عملاقة وموجزة. وأذكر أنني كلما ذهبت إلى المهندس إبراهيم المعلم أخذت نسخة منها، ولما سألني: لماذا.. وقد أخذتها من قبل؟.. قلت له: أضع نسخة قريبة منّي.. في المنزل والمكتب وفي حقيبة السفر.
لقد كنتُ قريباً من الأستاذ نجيب محفوظ في تلك السنوات، وكان ذلك بعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها عام 1994. حضرتُ لقاءاته في فندق شبرد ومركب أم كلثوم (فرح بوت) وكلاهما على نيل القاهرة، كما حضرت بعض لقاءاته في فندق المطار، وكنت مندهشًا لماذا يذهب الأستاذ نجيب إلى المطار، ليجلس مع أصدقائه، ثم يعود إلى حي العجوزة وسط العاصمة حيث يسكن. لكن واحداً من تلك اللقاءات كان أكثرها أهمية في حياتي، حين ذهبت للأستاذ نجيب محفوظ لأدعوه لكتابة مقدمة كتاب «عصر العلم» للدكتور أحمد زويل، وهى المقدمة التي كتبتُها بخط يدي، ووقعها الأستاذ نجيب محفوظ بخط يده، وفي الوقت نفسه نجحتُ في دعوة الدكتور زويل لينضم إلينا، وهو لقاء القمة الذي جمع حائزي نوبل في مكان واحد في حوار بالغ الروعة امتد لمائة دقيقة.. كان فيها الدكتور زويل يسأل محفوظ عن الأدب، ومحفوظ يسأل زويل عن العلم.
إنني واحد ممن يرون محفوظ فيلسوفاً، اختار الأدب ليطلق من خلاله فلسفته العميقة، ورؤيته للحياة إجمالاً وتفصيلاً. ولم أندهش حين قرأت أن محفوظ التقى طه حسين في الجامعة، وقال له إنه يريد دراسة «أصل الوجود»، ثم اقترب لاحقاً من أستاذ الفلسفة الإسلامية البارز مصطفى عبد الرازق.
في «أحلام فترة النقاهة» وفي «الأحلام الأخيرة».. كان تكثيف محفوظ لفلسفته ساحراً، ففي نصف صفحة أو أقل.. يكتب محفوظ عملاً كاملاً في سطور محدودة.
إنها خلاصة رحلته، وحصاد عمره، ثم إنها تنبيه وتحذير.. للنفس والمجتمع، مما كان ومما يمكن أن يكون.
لقد كانت جملة «وجدت نفسي» في ترجمة هشام مطر للأحلام الأخيرة معبّرة عما شعرتُ به في قراءة أحلام محفوظ. لقد وجدتُ حقًّا الكثير من نفسي.
*كاتب مصري
