في خطوة تجسّد الرؤية المستقبلية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وتأكيداً لالتزام القيادة الرشيدة بتحقيق الريادة العالمية في مجال العمل الحكومي، أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، إطلاق المرحلة الثانية من برنامج تصفير البيروقراطية في حكومة دولة الإمارات.
والحاصل أن هذا الإعلان لا يمثل مجرد إطلاق مرحلة جديدة من تحسين الخدمات، بل يكشف عن تحول بنيوي في فلسفة الإدارة الحكومية، يرتكز على تجاوز النماذج التقليدية التي أصبحت عبئاً على فعالية المؤسسات، والتحوّل نحو منظومة مبتكرة تضع الإنسان في صميم العمل الحكومي. ويهدف برنامج تصفير البيروقراطية إلى الوصول إلى حكومة تتسم خدماتها بالبساطة والسرعة والجودة، وتلبّي احتياجات المتعاملين بكفاءة وشفافية.
ويرتكز البرنامج على تصميم خدمات متكاملة بإجراءات أقل، تستلهم أفضل الممارسات الدولية في مجال الأداء الحكومي، وتستثمر في المعرفة والخبرة والتقنيات الحديثة، خاصة الذكاء الاصطناعي، بما يضمن تلبية حاجات الأفراد والمؤسسات بأسرع وقت وأقل جهد. كما يعزز البرنامج ثقافة الابتكار المؤسسي، ويؤسس لبيئة حكومية مرنة وقادرة على مواكبة التغيرات المتسارعة التي تفرضها التحولات الرقمية والاقتصادية في العالم.
وتؤكد النتائج التي حققتها المرحلة الأولى من البرنامج مدى فاعليته وجدواه. فقد شاركت في هذه المرحلة أكثر من 30 جهة حكومية، وأسهم 690 فريق عمل في تنفيذ إجراءات جذرية أسفرت عن اختصار أكثر من 70% من الوقت المستغرق في تقديم الخدمات، وإلغاء ما يزيد على 4000 إجراء غير ضروري، وحذف 1600 اشتراط مكرر، وهو ما أدى إلى تحقيق وفورات مالية تجاوزت 1.12 مليار درهم، وتوفير أكثر من 12 مليون ساعة من الجهد البشري والانتقال. هذه الإنجازات لم تنعكس فقط على كفاءة الأداء المؤسسي، بل أدت إلى رفع مستوى رضا المتعاملين، وترسيخ ثقتهم في فعالية الحكومة ومرونتها.
وتنطلق المرحلة الثانية من البرنامج من هذا الأساس القوي، لتستكمل المسيرة نحو هدف أكثر طموحاً يتمثل في تصفير 100% من مظاهر البيروقراطية، بما في ذلك تقليص الإجراءات غير الضرورية، وتوحيد التطبيقات الذكية الحكومية، وتحقيق تكامل رقمي فعّال بين الجهات. كما تسعى إلى تحديث وتطوير الأنظمة الرقمية الحكومية بالكامل، وتبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل منهجي لتقديم خدمات استباقية ومتكاملة، وتحسين تجربة المتعاملين الرقمية بشكل شامل. ويشمل التوجه الجديد إلغاء الازدواجية بين الإجراءات الحكومية، وتصفير جميع المتطلبات غير الضرورية التي تعيق سرعة تقديم الخدمات أو تؤثر على مرونة الأنظمة.
ولا تقتصر أهمية هذا البرنامج على الجانب الإداري فحسب، بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. ففي بيئة الأعمال، يسهم تصفير البيروقراطية في تخفيف الأعباء التنظيمية التي غالباً ما تعيق رواد الأعمال والمستثمرين، كما يسمح بتقليل الوقت والجهد المبذولين في التعامل مع الجهات الحكومية، ويمنح الشركات الفرصة للتركيز على الابتكار والنمو والتوسع في الأسواق المحلية والعالمية، وتجعل هذه البيئة من الإمارات وجهةً مفضلة للعقول والكفاءات، ومركزاً اقتصادياً عالمياً جاذباً للاستثمارات.
ويأتي هذا البرنامج ضمن رؤية شاملة تتبنّاها حكومة دولة الإمارات لتعزيز جاهزيتها للمستقبل، وتأكيد قدرتها على التكيف مع المتغيرات العالمية، لا سيما في ظل الثورة الرقمية المتسارعة، فالحكومات اليوم لم تعد مطالبة فقط بتقديم خدمات، بل بتصميم تجارب إنسانية متكاملة تُسهم في تحسين جودة الحياة، وتوفير الوقت والجهد، ولهذا فإن برنامج تصفير البيروقراطية يمثل نموذجاً مستقبلياً يعكس التزام القيادة الإماراتية ببناء حكومة رشيقة، ومرنة، وذكية، ومستجيبة بشكل فعال لاحتياجات الأفراد والمجتمع.إن ما تقوم به دولة الإمارات من خلال برنامج تصفير البيروقراطية يُعدّ إعادة صياغة جذرية لوظيفة الحكومة، وتأكيداً على أن النماذج البيروقراطية التقليدية لم تعد ملائمةً لطموحات المستقبل. ولا يعني هذا البرنامج فقط إزالة الحواجز، بل بناءَ منظومة أكثر كفاءةً وإنسانيةً، ترتكز على الابتكار والتكامل الرقمي والحوكمة الرشيقة. وبهذا، تؤكد الإمارات مجدداً أنها لا تكتفي بمجاراة التقدم العالمي، بل تسعى إلى صناعته وتقديم نموذج يُحتذى به في تأسيس الحكومات الحديثة.
صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
