منظومة جديدة لقياس الأداء في الحكومة الاتحادية
تواصل حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة ترسيخ مكانتها كنموذج عالمي في التطوير المستمر للخدمات الحكومية وتعزيز كفاءتها، ويتجلى ذلك بوضوح في إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، مؤخراً منظومة الأداء الحكومي الاستباقي، التي تُمثِّل نقلة نوعية في تجويد آليات العمل الحكومي وقياس الأداء، وتؤكد التزام الإمارات بمواصلة رحلة التطوير والتحسين المستمر.وفي الواقع، فإن المنظومة الجديدة تعكس فهماً عميقاً لطبيعة التطوير المؤسسي بوصفه عملية مستمرة لا تعرف التوقف، وتقوم على فلسفة مفادها أن الجمود في أنظمة العمل هو شكل من أشكال التراجع، وأن الكمال المؤسسي ليس هدفاً نهائياً بقدر ما هو مسار دائم نحو التحسين، مما يعكس رؤية يُستشف منها إدراك واعٍ بأن أي نظام، مهما بلغ من الكفاءة، يظل قابلاً للتحديث والتطوير وفقًا لمتغيرات الواقع وتسارع التحديات.
من هذا المنطلق، تُعد هذه المنظومة تتويجاً لمسار بدأ منذ عام 2008، مع إطلاق أول نظام لقياس الأداء الحكومي، وتطوَّر عبر مراحل متعددة مثل «أداء 2.0» في عام 2013 ثم «أداء 3.0» في عام 2019، وصولًا إلى الجيل الجديد «منظومة الأداء الحكومي الاستباقي» الذي يتسم بدرجة أعلى من التقدم والتكامل، بما يعكس نضج التجربة والحرص على استباق المستقبل لا مجرد التكيف معه.
وتتجلّى القيمة الجوهرية لمنظومة الأداء الحكومي الاستباقي في تجاوزها لحدود النماذج التقليدية لقياس النتائج، لتقدم نموذجًا متقدمًا يستند إلى الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة بوصفهما أدوات استراتيجية للتنبؤ واتخاذ القرار، فبدلًا من الاكتفاء برصد ما تحقّق، تعمل المنظومة على استشراف ما سيكون، عبر تحليل أكثر من 150 مليون بيان رقمي شهريًا وتوليد ما يزيد على 50 ألف قرار استباقي سنويًا.
والحاصل أن التوظيف الذكي للبيانات في منظومة الأداء الحكومي الاستباقي يُمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة العمل الحكومي، حيث لم يعد الأداء يُقاس بوصفه ناتجاً نهائياً، بل بات يُدار كعملية آنية ومتكاملة، ما من شأنه تعزيز دقة القرارات الحكومية، وترسيخ معايير أعلى للشفافية والكفاءة في مختلف المستويات الإدارية. وبذلك، لم تعُد البيانات مجرد وسيلة لدعم اتخاذ القرار، بل أصبحت عنصراً بنيوياً يعيد صياغة العلاقة بين المعلومات والسياسات العامة، بحيث تتحول من نماذج استجابة إلى نماذج استباقية، قادرة على التكيف السريع مع المتغيرات وصياغة حلول مستقبلية قبل بروز التحديات.
وتتجلى دلالات هذه المنظومة كذلك في قدرتها الفريدة على تعزيز كفاءة المؤسسات الحكومية بشكل ملموس، إذ تشير التقديرات إلى تحقيق تحسُّن في الأداء بنسبة 60% سنوياً وتوفير ما يزيد على 250 ألف ساعة عمل حكومي بفضل الأتمتة وتدفق البيانات، فيما تنعكس أهميتها في أنها تؤسس لثقافة جديدة داخل العمل الحكومي قوامها التحسين المستمر، الابتكار، والجاهزية للمستقبل، بما يتماشى مع تحقيق التوجهات الاستراتيجية لرؤية «نحن الإمارات 2031» من خلال تحويل الطموحات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة قابلة للقياس.
ولعل من أهم أبعاد المنظومة الجديدة أنها ترتكز على الشفافية والمساءلة، حيث يتم مراجعة الأداء بشكل دوري وفق مؤشرات دقيقة تتيح للقيادات متابعة الالتزام بتنفيذ الخطط الوطنية ومخرجاتها ضمن الجداول الزمنية المحددة. كما تساهم في تدريب وتأهيل الكوادر الحكومية على إدارة الأداء وتحليل البيانات، بما يضمن ترسيخ المعرفة والمهارات التي تتواءم مع متطلبات العصر الرقمي.
إن إطلاق منظومة الأداء الحكومي الاستباقي يتجاوز كونه مجرد تحديث تقني ليصبح تجسيداً عميقاً لنهج حكومة دولة الإمارات الذي يضع المواطن في مركز السياسات، ويؤكد أن الريادة الحقيقية لا تتحقق إلا عبر جاهزية مستمرة وقدرة فائقة على استثمار التكنولوجيا والبيانات بشكل يُسهم في تعزيز قدرة الإمارات على مواصلة مسيرتها التنموية بثقة راسخة، مدفوعة بإرادة قوية تؤمن أن الأفضل دائمًا لم يتحقق بَعد.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
