الإمارات.. علاقات متوازنة مع القوى العظمى
بعد الزيارة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى روسيا، استرعى انتباهي من بين تقارير الصحافة والإعلام العالمي، ما أعدته فضائية «سي إن إن» الأميركية، والذي ألمحت فيه إلى أن «الإمارات تعتبر حليفاً قديماً للولايات المتحدة الأميركية وشريكاً رئيسياً في المجالات العسكرية والاستخباراتية، لكنها في الوقت نفسه الشريك الاقتصادي الأهم لروسيا في الشرق الأوسط». التقرير أشار بموضوعية إلى نهج الإمارات الراسخ في دعم التعاون الدولي من أجل مواجهة التحديات العالمية وتحقيق السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والعالمي لمصلحة جميع الدول وشعوبها، وهو ما يعني حرص أبوظبي على علاقات متوازنة مع القوى العظمى، دون الانخراط في تحالفات تضر ولا تفيد.
فحين تم إعلان قيام دولة الاتحاد عام 1971، أكدت الإمارات في دستورها الرسمي أن سياستها الخارجية تقوم على التعاون ومد يد الخير للجميع والحرص على استقلالية قرارها وعدم التدخل في شؤون الغير، ورفض كافة أشكال التحالفات التي تستهدف التحرش بالآخرين أو النيل منهم.
تقرير المحطة الأميركية البارزة ذكر ذلك بوضوح، اعتماداً على ما صرحت به آنا بورشيفسكايا، الباحثة في معهد واشنطن، والتي قالت: «إن الإمارات تنتهج سياسة خارجية متنوعة بين روسيا وأميركا والصين، دون انحياز لأي طرف»، فسياسة الإمارات الخارجية تقف بثبات على مسافة واحدة من الجميع.
اللافت أن زيارة صاحب السمو رئيس الدولة إلى العاصمة الروسية هي الثانية خلال أقل من عام، وهو ما يشير إلى سعي القيادة نحو مد جسور التعاون مع روسيا وتقويتها، وتطوير علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، والعمل المشترك لتعزيزها، بما يخدم تطلعاتهما التنموية المشتركة.
ولا شك أن العلاقات الإماراتية- الروسية تطورت بشكل متسارع خلال السنوات الأخيرة، خاصة منذ توقيع اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين عام 2018، حيث عبّرت عن توفر إرادة سياسية مشتركة للارتقاء بهذه العلاقات ودفعها إلى آفاق أرحب، وبالفعل تطورت أوجه التعاون الإماراتي الروسي في العديد من المجالات ذات الاهتمام المشترك في ظل رعاية واهتمام من قيادتيهما.
كما تشهد الاستثمارات المباشرة بين البلدين زيادة مستمرة، وطبقاً لما أظهرته البيانات الرسمية، يعمل في الإمارات حوالي 4 آلاف شركة روسية، وقد ارتفع حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين إلى 42.2 مليار درهم خلال العام الماضي، وهو ما يعني قفزه تتجاوز نسبتها 200% خلال السنوات الخمس الماضية، مقارنة بقرابة 12.8 مليار درهم في عام 2019.
وتتزايد فرص الاستثمار المشترك، في ظل وجود فرص متاحة للاستفادة من المقومات الاقتصادية المتطورة، لا سيما مجالات الاقتصاد الجديد، مثل الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي والابتكار والاقتصاد الدائري.
ولدى البلدان رغبة في مضاعفة الرقم السابق خلال السنوات المقبلة، ولذلك وقعت الإمارات وروسيا أثناء الزيارة «اتفاقية تجارة الخدمات والاستثمار»، كخطوة مكملة لاتفاقية الشراكة الاقتصادية الموقعة بين الإمارات والاتحاد الاقتصادي الأوراسي – والذي يضم في عضويته كلاً من أرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان.
لقد أسهم تطور العلاقات التجارية بين الجانبين في نمو الميزان التجاري بينهما، حيث أصبحت الإمارات أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين للجانب الروسي على صعيد التجارة السلعية، سواء في حجم الصادرات الإماراتية إلى معظم الأسواق الروسية، أو على صعيد الواردات من السلع الروسية إلى أسواق الإمارات.
أما على الصعيد السياحي، فقد تجاوز متوسط عدد السياح الروس الذين تستقبلهم الوجهات السياحية في مختلف إمارات الدولة نحو مليوني سائح سنوياً، في ظل تنامي جاذبية الدولة كمقصد عالمي يوفر مزيجاً فريداً من الحداثة والتقاليد، والبنية التحتية المتطورة والمناخ الدافئ، ما يجعل من الإمارات وجهة مفضلة للروس على مدار العام.
ووفقاً لبيانات لجنة سياحة مدينة موسكو، ارتفع عدد السياح الإماراتيين من 18 ألفاً في عام 2019 إلى نحو 42 ألفاً في 2023، قبل أن يقفز إلى 62100 سائح في عام 2024، بزيادة قدرها أكثر من 20 ألف زائر في عام واحد، ومع استمرار الزخم في العلاقات، يُتوقع أن يشهد التبادل السياحي بين الجانبين معدلات قياسية جديدة خلال السنوات المقبلة، وخاصة مع اقتراب مواسم السفر الشتوي، وطرح عروض حصرية للمسافرين من وإلى كلا البلدين.
هذه التطورات ترجمة فعلية لما يؤكده دوماً صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد بقوله «إن العلاقات الإماراتية- الروسية متجذرة ومتنامية وتقوم على أسس راسخة الثقة والاحترام المتبادل وتستند إلى إرث ثري وعريق من التواصل والزيارات المتبادلة والمصالح المشتركة والتعاون البنّاء والعمل المشترك يمتد إلى أكثر من خمسة عقود».
