
محمد عبد الرحيم
القاهرة ـ «القدس العربي»: في فيلم «زيارة السيد الرئيس» 1994 سيناريو بشير الديك وإخراج منير راضي، عن رواية (يحدث في مصر الآن) ليوسف القعيد، الذي كعادة جيله ينتقم من عصر السادات لحساب عبد الناصر، الذي حبسهم وعذبهم! كما وفي الوقت نفسه صار يسبّح بحمد مبارك، وكذلك رمز السلطة الحالي ـ الفليم أفضل من رواية القعيد بكثير ـ وهو عن زيارة نيكسون إلى مصر، فهناك قرية ظنت أن الرئيس المصري وصديقه الأمريكي سيتوقفان عندها للزيارة، فانقلب حالها وأحوالها. وفي أحد المشاهد يستأذن أحد الفلاحين السذّج بأخذ كرسي من دكان الحلاق لينضم إلى جلسة يقيمها بقال في القرية يأمل في عقد صفقات تجارية مع الرئيس الأمريكي، قائلاً.. «أبو سمير البقال عامل ندوة عن المعونة الأمريكية ودورها في تنمية المجتمع».
على هذا الغرار تبدو ندوات وفعاليات مهرجان المسرح التجريبي، وكذلك ندوات المناسبات الفنية الأخرى، كما في الفن التشكيلي على سبيل المثال. ذلك من حيث المتحدثين والسامعين، إضافة إلى أن الوجوه كما هي منذ سنوات من المتابعين والتابعين وتابعي التابعين، من دراويش هيئة المهرجان ورئيسه، الذي يتم تقديمه وتلميعه بالأمر.. «أستاذ جامعي بقلب فنان، وفنان بعقل أكاديمي، يحمل على عاتقه مسؤولية كبيرة تتجاوز مجرد تنظيم فعالية ثقافية، إلى إدارة شبكة معقدة وواسعة اجتمع فيها الفني بالإداري بالتقني، والنخبوي بالجماهيري، والمحلي بالدولي». هذه العبارات من مقدمة حوار مع رئيس المهرجان سامح مهران في العدد الأول من نشرة مهرجان المسرح التجريبي في دورته الـ32 عام 2025. عن رؤية سعادته والتحديات والمعوقات وما شابه من المصطلحات المُستهلكة. الأمر الآخر هو الورش الفنية التي تقام على هامش المهرجان، فالشكاوى على صفحة المهرجان تفوق الحصر، فالبعض يتقدّم إلى هذه الورش منذ خمس سنوات، ولا يأتيه رد، وكأنه ينتظر (غودو) بما أنه ضُرب بداء الهوس المسرحي، كما أن المقبولين والكثير منهم أصبحوا بدورهم وجوهاً تتكرر، أو تجد أن هذا أو ذاك أو تلك من ضمن المعارف والمحاسيب.
ولنطالع بعضا من هذه الندوات حتى تتضح الصورة..
المسرح والذكاء الاصطناعي
تحت هذا العنوان أقيمت ندوة ضمن محور (المسرح وما بعد العولمة) ـ الناس لسّه عايشة في مصطلح العولمة، ولكن مع إضافة الـ(ما بعد) التي أصبحت لازمة للإيحاء بأهمية الموضوع ومواكبة التحديات ـ شارك في الندوة ألبرت لانج، توماس أيرمر، وتروستن غوست من ألمانيا. وأدار الجلسة الناقد والأكاديمي المغربي خالد أمين، الذي افتتح الجلسة قائلاً.. لقد شهد السجال الفكري الراهن حول الذكاء الاصطناعي تحولاً مفصلياً، جراء صرخة التحذير المدوّية التي أطلقها جيفري هينتون أحد آبائه المؤسسين، ففي خطابه الذي ألقاه عند تسلمه جائزة نوبل لعام 2024، لم يقتصر تحذيره على إشكالية الخوارزميات المعيبة والبيانات المتحيزة، بل تجاوزه إلى التنبيه من خطر وجودي يتمخض عن استحداث كائنات رقمية تفوقنا ذكاء، تقود مسار تطورها حسابات الربح التجارية لا مقتضيات الأمان الحضاري. هذا التنبيه الخطير يرتقي بسجالنا من أفقه التقني، المتعلق بتطبيقات السينوغرافيا والدراماتورجيا، ليضعه في قلب الرسالة التاريخية للمسرح، بوصفه مختبراً تُستحضَر فيه أعتى مخاوف البشرية، وتُشرَّح معضلاتها الأخلاقية الكبرى. ذلك أن المسرح كان على مرّ العصور ميداناً تُجسَّد فيه المخاوف، وتُساءَل فيه الغطرسة البشرية، وتُواجَه فيه أشباحُ ما هو لا إنساني. وعليه، ونحن نتأمل مستقبلاً توضع فيه الفاعلية الإنسانية على المحك، ما هي المسؤولية التاريخية الجسيمة الملقاة على عائق المسرح، ليس فقط كمستثمر لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بل كضمير للأمة ومرآة نقدية لها في تشكيل الوعي الدرامي بمآلات هذا الصراع على السلطة، قبل فوات الأوان وإسدال الستار.
أما تروستن غوست، فيقترح من خلال بحثه مفهوم (المشاهدة الخوارزمية) كإطار يحدد الشروط البنيوية التي تجعل التجربة الخوارزمية ممكنة. هذه المشاهدة لا تعني المراقبة فقط، بل هي مشاركة جسدية/عاطفية، انعكاسية، وثقافية، تتحقق زمنياً ضمن ترتيبات اجتماعية وتقنية، وتشكل دوراً تأسيسيا في ظهور العمليات الخوارزمية كتجربة معاشة. وتشمل المشاركة هنا كلا من التفاعل النشيط وأشكال التلقي السلبي، مثل الانتظار أو التركيز أو الامتناع عن الفعل. ومن خلال هذه الممارسة المجسدة، يصبح الانكشاف الجيني للعملية الخوارزمية قابلاً لأن يُعاش ويُختبر، ما يوفر إطارا تحليليا ولغة جديدة لفهم كيف تجعل العروض الفنية المعاصرة الخوارزميات ملموسة وقابلة للتجربة. وانطلاقاً من هذا، لا يكتفي المسرح والفنون الأدائية باستخدام الوسائط الخوارزمية، أو الذكاء الاصطناعي كأدوات، بل يمكن أن يتعاملا معها بوصفها عمليات علاقية وزمنية وأدائية، أي أن ظهورها يعتمد على التفاعل بين التقنية والبشر، تماماً كما يعتمد العرض المسرحي على التفاعل بين الممثل والجمهور. (أين الترجمة العربية لهذه العبارات؟)
المسرح في مواجهة الأسئلة الوجودية
عنوان الندوة التي أدارتها أسماء يحيى الطاهر عبد الله، وشارك فيها كل من إيفين ميدينيتسا صربيا، أونا كريستيا غريغوريسكو رومانيا، وسافاس باتساليديس اليونان، إلا أن الندوة لا تكتفي بهذا العنوان ـ رغم فصاحته وبلاغته ـ بل ألحقته بعنوان فرعي.. (التكنولوجيا والواقع)، ونذكر رأي الباحثة الرومانية أونا غريغوريسكو الخاص بالدراما الرومانية، التي ربما تلحق بها الدراما المصرية أو العربية في وقت قريب، وإن جاءت عباراتها مفهومة، لأنها ابتعدت عن عناوين ندوات المهرجان، خاصة هذه الندوة، إذ تقول.. إن الدراما الرومانية تشهد في السنوات الأخيرة تحولات لافتة، تعكس عمق التغيرات الاجتماعية والسياسية التي مرّت بها البلاد منذ انهيار الأنظمة الشيوعية في شرق أوروبا. هذه التحولات ألهمت جيلاً جديداً من الكُتّاب المسرحيين الذين يوظفون أعمالهم لتسليط الضوء على قضايا تحمل أبعاداً اجتماعية عميقة، وتقاطعات سياسية واضحة. فالمسرحيات المعاصرة في رومانيا لم تكتفِ بعرض قصص شخصية، أو سرديات فردية، بل جاءت محمّلة بأسئلة كبرى ترتبط بالهوية والتحولات التاريخية، حول الإنسان والسلطة والحرية، ما يمكنها من أن تجد صدى لدى جمهور عالمي يتشارك الهموم الإنسانية نفسها. ويُلاحظ هنا أن الباحثة لم تتحدث عن تكنولوجيا ولا افتراضي ولا اصطناعي، ربما أخطأ القائمون على الندوات في استدعاء السيدة للمشاركة في أحجيتهم.
المسرح والتنمية المستدامة وهنا في مصر
وهو عنوان آخر ما نستعرضه من ندوات لا علاقة لها بمصر، وما يفكر ويعيشه نقاد ومنظرو المسرح المصري الكرام، اللهم إلا الابتسام واصطناع الإصغاء الجيد من حين لآخر، وادعاء الفهم. ونستشهد بكلمة مصوّرة للمديرة التنفيذية لاتفاقية المسرح الأوروبي هايدي وايلي، تقول.. مع تزايد التحديات البيئية وتأثيرات التغير المناخي، كان علينا في المسرح الأوروبي أن نتبنى نهجاً جديداً يجمع بين الطموح والواقعية، ويضع الاستدامة في قلب العملية الإبداعية. من هنا بدأت رحلتنا في الاتحاد الأوروبي للمسرح، لتحقيق مستقبل محايد مناخياً. وكانت البداية مع تشكيل لجنة المسرح الأخضر داخل الاتحاد، حيث جمعت اللجنة شخصيات ومؤسسات مسرحية رائدة من بين أعضائنا، وولدت من رؤيتهم المشتركة فكرة طموحة أن تصل المسارح الأوروبية إلى صفر انبعاثات كربونية بحلول عام 2030.
ولك أن تغادر أي قاعة مسرح في مصر ـ وحتى قبل أن تغادرها ـ لترى العجب العُجاب، فالسيدة المديرة تتحدث لغة لا يعيها الحاضرون، ولا يفقهونها، اللهم إلا البحث عن دعم لتحويل أحد المسارح وفق رؤية السيدة الأجنبية، المسرح الذي وإن كان سيُفتح في المناسبات للزوار الأجانب ويغلق بالضرورة طوال العام، وكأنه أحد الإنجازات!
الجوائز
وبالطبع في ختام المهرجان، الذي استمر في الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر/أيلول الجاري، لا بد من توزيع الجوائز، كما لا بد من إرضاء أغلب الأطراف، حتى لو لم ينتم العرض المصري الوحيد المشارك لمفهوم التجريب، «بس علشان ما نزعلش ولادنا لازم نفرّحهم بجايزة»، وجاءت الجوائز كالتالي..
أفضل عرض (هاشتاغ نوتيل) رومانيا. أفضل ممثل مناصفة محمد عبد الله عن (قهوة ساخنة) البحرين، وعلاء القحطان عن (سيرك) العراق. وأفضل ممثلة شذى سالم عن العرض نفسه. وكذلك أفضل نص لجواد الأسدي. أما جائزة أفضل إخراج فكانت للتونسي معز العاشوري عن عرض (روضة العشاق). أفضل سينوغرافيا للعرض الإيطالي (كوبيليا)، أما العرض المصري (الجريمة والعقاب) فحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
دولي ولا تجريبي؟
وقبل انتهاء المهرجان بأيام شهدت الكواليس واللقاءات المصوّرة مع الفنانين والنقاد والضيوف الكثير من الجدل حول إعادة تسمية المهرجان.. فهل يظل (مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، أم يصبح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح؟ حتى يتسم بالشمولية ولا يقتصر على التجريب، خاصة ونحن نعيش عصر الشمولية، ونحيا في ظل لحظة فارقة في هذا العالم، ونريد أن نواكب ونلاحق ونسابق، وربما ننتصر في النهاية! كما لا نريد أن يظل النقاد والمنظرين عواطلية حتى العام المقبل، فأمامهم عام كامل يبحثون فيه هذه القضية المصيرية التي ستغيّر من حال المسرح المصري، وربما العالمي. و.. ربنا يشفي.
