خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا  ECCI

الناتو ـ هل تُعدّ مناورات “زاباد 2025” غطاءً لهجمات أخرى بالطائرات المسيّرة؟

خططت روسيا منذ فترة لاختراق طائرات روسية بدون طيار للمجال الجوي البولندي. ويُزعم أنها استخدمت بطاقات SIM بولندية لتوجيه الطائرات، مما وفّر لها اتصالًا بالإنترنت عبر شبكة الاتصالات البولندية. أفاد الموقع الأوكراني defense-ua.com أنه عُثر على بطاقات SIM تابعة لشركات اتصالات بولندية في طائرات روسية بدون طيار في يوليو 2025، وأكدت الحكومة البولندية ذلك آنذاك.

بطاقات SIM بولندية في مسيّرات روسية: الحرب تدخل مرحلة جديدة

يقول الصحفي البولندي والناشط الديمقراطي ماريك بودزيس: “من بين أمور أخرى، عن تقرير صادر عن السلطات البولندية، يُفصّل إسقاط طائرات روسية مُسيّرة فوق الأراضي البولندية في يوليو 2025. كما عُثر على شريحة هاتف ليتوانية إلى جانب الشرائح البولندية”.

يذكر التقرير أن روسيا تستعد على ما يبدو لتحليق طائرات مسيّرة فوق أراضي بولندا وليتوانيا واختبار اتصالاتها بشبكات الهاتف المحمول. وينص التقرير، الذي يُزعم أنه صادر عن مسؤولين حكوميين بولنديين رفيعي المستوى، على ما يلي: “نرى ضرورة إبلاغ شركائنا في بولندا وليتوانيا باكتشاف بطاقات SIM من مورّدين بولنديين وليتوانيين في طائرات هجومية روسية بعيدة المدى”.

يقول نيتشيتا جوركوف، المحلل البارز في مركز أبحاث الصراعات الإلكترونية: “إن أنظمة الحرب الإلكترونية التي يستخدمها الجانبان لإبعاد الطائرات بدون طيار عن مسارها وتصعيد الحرب الجوية قد تزيد من خطر الاشتباك العسكري المباشر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي”.

الطائرات الروسية المسيّرة: أدوات استطلاع تتجاوز حدود الحرب التقليدية

تسللت طائرات روسية بدون طيار مرارًا وتكرارًا إلى الدول المجاورة لأوكرانيا، بما في ذلك بلغاريا ولاتفيا ومولدوفا. في أغسطس 2025، عُثر على طائرة روسية بدون طيار محطمة في أوسيني، بولندا، على بُعد 40 كيلومترًا من قاعدة جوية تابعة لحلف الناتو. يُعدّ إسقاط طائرات روسية بدون طيار من قِبل دولة عضو في حلف الناتو، كما هو الحال في بولندا، أمرًا جديدًا. تتطلب الطائرات المسيّرة بعيدة المدى اتصالًا بالإنترنت للتحكم، إلا إذا كانت إحداثيات هدفها مُبرمجة مسبقًا. هذا الاتصال لا يسمح بالتحكم بها فحسب، بل يسمح بإرسال مقاطع وصور إلى وحدات التحكم الروسية.

لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الطائرات الروسية بدون طيار قد حلّقت بعيدًا جدًّا عندما هاجمت غرب أوكرانيا، أو ما إذا كان ذلك استفزازًا متعمّدًا، أو ما إذا كان لديها مهمة أخرى. يعتقد المستشار الألماني فريدريش ميرز أن انتهاك طائرات روسية مسيّرة للمجال الجوي البولندي لحلف شمال الأطلسي لم يكن عرضيًا. يرى ميرز أن الحادث “يمثل تهديدًا خطيرًا للسلام في جميع أنحاء أوروبا”. ويتفق مع رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك في تقييمه بأن “ادعاء الحكومة الروسية بأن هذا كان، إن جاز التعبير، مجرد مصادفة أو سهوًا لا يُصدَّق”.

يؤكد فابيان هوفمان، خبير استراتيجيات الصواريخ والأسلحة النووية في جامعة أوسلو: “أن الحادثة تحمل جميع دلائل العمل المتعمد”. مضيفًا: “بالنظر إلى مسارات الطيران، اتبعت هذه الطائرات المسيرة مسارًا مُحكمًا، لذا يبدو أن روسيا فعلت ذلك عن عمد”.

هل هناك المزيد من الهجمات بطائرات بدون طيار مع بدء روسيا وبيلاروسيا عملية “زاباد 2025″؟

من المقرر أن تبدأ روسيا وبيلاروسيا مناوراتهما العسكرية المشتركة في 12 سبتمبر 2025، وأعلنت بولندا في سبتمبر 2025 أنها ستغلق حدودها مع بيلاروسيا خلال مناورات “زاباد 2025″، واصفةً إياها بأنها “خطيرة للغاية”، بسبب المخاوف الأمنية المرتبطة بالتدريبات العسكرية واسعة النطاق التي تقودها روسيا كما فرضت فرضت بولندا قيودًا على المجال الجوي شرقي البلاد حتى التاسع من ديسمبر 2025، باستثناء الطائرات العسكرية، والطائرات المأهولة التي قدّمت خطة طيران وجُهّزت بجهاز إرسال واستقبال مُفعّل. لا سيما بعد التأكيدات الأوكرانية الرسمية أن من بين الطائرات الروسية الـ19 بدون طيار التي عبرت إلى بولندا في العاشر من سبتمبر 2025، جاء اثنان على الأقل عبر بيلاروسيا.

أوضحت أوكرانيا أنه في المجمل كانت هناك عشرات الطائرات الروسية بدون طيار تتحرك على طول الحدود بين أوكرانيا وبيلاروسيا. ودمّرت الدفاعات الجوية الأوكرانية أكثر من 380 طائرة روسية مُسيّرة من طرازات مختلفة، كان من بينها ما لا يقل عن 250 طائرة من طراز “شاهد”.

أكدت وزارة الدفاع الروسية أنها لا تخطط لمهاجمة أي أهداف في بولندا أثناء هجومها على أوكرانيا. ولم يكن من المخطط استهداف أي أهداف على الأراضي البولندية. ولا يتجاوز المدى الأقصى للطائرات المسيرة المستخدمة في الهجوم على أوكرانيا 700 كيلومتر. وأضافت موسكو أنها مستعدة “لإجراء مشاورات مع وزارة الدفاع البولندية حول هذا الموضوع”. أعلنت بيلاروسيا أن الطائرات بدون طيار دخلت المجال الجوي البولندي “عن طريق الخطأ”، بعد تشويش أنظمة الملاحة الخاصة بها.

يقول بافيل مورافييكا، نائب وزير الدفاع في بيلاروسيا: “إن الطائرات بدون طيار ضلّت طريقها، وأن بيلاروسيا نفسها أسقطت بعضها فوق أراضيها”. كما أعلنت ليتوانيا أنها ستعزز الأمن على طول حدودها مع بيلاروسيا وروسيا أثناء المناورات. تشير التقارير إلى أن منشأة عسكرية جديدة قيد الإنشاء في بيلاروسيا، والتي يحذر المحللون من أنها قد تكون ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لروسيا في حرب أوكرانيا. وتصاعدت المخاوف من أن تكون القاعدة مركزًا لإطلاق الطائرات المسيرة الروسية نحو دول الناتو الأوروبيين.

أوضحت أولغا أوليكر، مديرة برنامج أوروبا وآسيا الوسطى في مجموعة الأزمات الدولية: “أن دول حلف شمال الأطلسي ربما تكون الآن أقل ميلًا إلى التسامح مع التوغلات التي تقوم بها طائرات بدون طيار، وأكثر ميلٍا ًإلى السعي إلى ردود فعل فعالة قد تدفع موسكو إلى ممارسة قدر أعظم من الحذر بشأن الدخول إلى المجال الجوي للحلفاء”.

يوصي بيتر دوران، الزميل البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: “بقطع تدفق دولارات النفط التي يحتاجها بوتين لتمويل هذه الحرب، فهذه أضعف نقطة لديه، وهنا يجب أن يضغط عليه الحلفاء بأقصى قوة”. مضيفًا: “يجب على حلف الناتو مضاعفة دفاعاته الجوية على طول خط المواجهة مع روسيا”. ويعتقد دوران أن “الوقت قد حان لحلف الناتو لتوسيع مظلة دفاعه الجوي لتشمل غرب أوكرانيا”. في مطلع عام 2022، طُرح موضوع ما يُسمى “منطقة حظر جوي”. وأردف دوران قائلًا: “بعض أعضاء الحلف عبروا عن عدم ارتياحهم لهذا الخيار خشية أن يعتبره بوتين تصعيدًا، لكن بوتين صعّد ضد الناتو، وحان الوقت لفرض منطقة حظر جوي دفاعية فوق غرب أوكرانيا”.

النتائج

إذا عثرت السلطات البولندية بالفعل على بطاقات SIM تابعة لشركات الاتصالات في بلدها، فقد يمثل هذا نوعية جديدة في الحرب الروسية، وقد يكون مؤشرًا على أن روسيا لا تريد التوقف عند الحدود الأوكرانية.

هذا الاستخدام يعكس تصميمًا روسيًا على اختبار الجهوزية الغربية، واختراق المنظومات الدفاعية بطريقة غير مباشرة، دون الحاجة إلى تدخل عسكري صريح، مما يعقّد عملية الرد ويخلق فجوات في الردع التقليدي.

يشير تواتر اختراق الطائرات الروسية للمجالات الجوية لدول الناتو إلى تغيّر في قواعد الاشتباك الروسية، خصوصًا مع مناورات “زاباد 2025” التي قد تكون غطاءً لتحركات هجومية أو استطلاعية.

الردود الغربية، لا سيما من بولندا وألمانيا، تبرهن على تزايد القلق الأوروبي من تحركات روسيا وبيلاروسيا، وهو ما دفع بولندا إلى إغلاق حدودها، ولتوانيا إلى تعزيز إجراءاتها الأمنية. ومع أن روسيا تواصل نفي مسؤوليتها عن تجاوزات الطائرات، إلا أن تكرار الحوادث يعزز الشكوك حول النوايا الروسية، لا سيما في ظل بناء قاعدة عسكرية في بيلاروسيا.

بات متوقعًا أن يضطر الناتو عاجلًا أو آجلًا إلى توسيع قواعد الاشتباك الخاصة به، خاصة في مجال الدفاع الجوي، وربما يعيد فتح نقاش “منطقة الحظر الجوي” فوق غرب أوكرانيا كخطوة ردعية.

باتت المسافة الجغرافية وحدها لا تكفي لتأمين الحلفاء، مع تطور قدرات الطائرات المسيّرة الروسية، مما سيُسرّع من نشر أنظمة دفاع جوي متقدمة على امتداد حدود أوروبا الشرقية.

يبدو أن حرب الطائرات المسيّرة دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، لا تعتمد فقط على الاشتباك العسكري، بل على الاختراق التكنولوجي والضغط السياسي، وهو ما سيفرض على الناتو والاتحاد الأوروبي إعادة التفكير في منظومة الأمن الإقليمي وآليات الردع في عصر الحرب غير التقليدية.

رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=109041