بيروت- “القدس العربي”: في وقت يستعد فيه “حزب الله” لإحياء الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد أمينيه العامين، حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، شهدت الساحة اللبنانية تصعيداً لافتاً مع تكثيف الغارات الإسرائيلية التي توسّعت رقعتها ليل الأربعاء لتصل إلى منطقة بعلبك. وفي موازاة ذلك، أصدر الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إنذاراً عاجلاً إلى سكان بعض قرى جنوب لبنان، طالب فيه أهالي المباني المحددة في الخرائط بقرى ميس الجبل وكفرتبنيت ودبين بإخلائها مع المباني المجاورة والابتعاد عنها لمسافة لا تقل عن 500 متر، معلناً أن الجيش بصدد مهاجمتها بزعم استهداف بنى تحتية عسكرية تابعة لـ”حزب الله”. وقد تسبّب هذا الإنذار بحركة نزوح كثيفة من تلك القرى وسط تصاعد القلق من موجة تصعيد جديدة.

وعلّق رئيس الحكومة نواف سلام خلال جلسة مجلس الوزراء على التهديدات الإسرائيلية قائلاً: “رداً على التهديدات التي أطلقها الجيش الإسرائيلي باستهداف بلدات ميس الجبل، كفرتبنيت ودبين، وما رافقها من إنذارات عاجلة لإخلاء المنازل، يهمني أن أكرر أن الحكومة اللبنانية، المتمسكة بمسار وقف الأعمال العدائية، تؤكد أنها منخرطة في اجتماعات الميكانيزم. لكن السؤال المشروع اليوم: أين هو التزام إسرائيل بهذه الآليات؟ وكيف يُعقل أن تستمر في ممارسة الترهيب والاعتداءات، فيما يُفترض بهذه الاجتماعات أن تضمن التطبيق الكامل للقرار 1701 ولوقف العمليات العدائية”. وأضاف سلام: “يدعو لبنان المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الراعية لاتفاق وقف العمليات العدائية، إلى ممارسة أقصى الضغوط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها فورا، والعودة إلى الآلية واتفاق وقف العمليات العدائية والتزاماته، بما في ذلك الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي ما زالت تحتلها، ووقف الاعتداءات، والإفراج عن الأسرى”.

في موازاة ذلك، أشارت كتلة “الوفاء للمقاومة” إلى أن “الشوق والحنين يعصف لطيب أثر الأمناء المؤسسين وذكراهم العطرة”، مؤكدة بعد اجتماعها برئاسة النائب محمد رعد أن “هذه الذكرى تأتي لتؤكد أن هذه المقاومة هي خيار الناس عموماً، وهي ثابتة في نهجها الذي يقارع المحتل ويدافع عن الوطن وأهله في وجه العدوان مهما بلغت التضحيات وتزايدت الضغوط والتهديدات، وليثبت رسوخها وجدواها في حماية الوطن وحريته وكرامته وسيادته واستقلاله ضد أعتى عدو محتل مدعوم من الاستكبار الأمريكي، وتمكين المجتمع من الصمود ورفض الاستسلام والخضوع”. وعاهدت الكتلة “أنها ستبقى وفية لهذا الإرث العظيم من الأرواح المباركة والدماء الطاهرة للشهداء، وأمينة على خطهم حتى تحقيق كامل الأهداف السامية والنبيلة التي ضحّى شهداؤنا العظام بأنفسهم في سبيلها”.

وأضافت الكتلة أن “العدو الصهيوني المدعوم بغطاء أمريكي يستمر في حرب الإبادة الجماعية قصفاً وقتلاً وتدميراً وتجويعاً لغزة وأهلها، ويصعّد عدوانه الإجرامي المكثف ضد مدينة غزة بتدمير ممنهج لما تبقى من أبنيتها، وبدء اجتياحه البري لها بهدف احتلالها وتهجير أهلها، فيما يستمر المجاهدون الأبطال من حركة “حماس” وباقي الفصائل بالتصدي له بشجاعة وبطولة منقطعة النظير. أما ما يسمى بالمجتمع الدولي والمنظمات الأممية فيغرقان في سبات عميق لا أمل أن يستفيقا منه ليحفظا بعضاً من معنى وجودهما أو بقية من كرامة لمواقفهما”. وتابعت: “تأتي القمة العربية الإسلامية التي انعقدت في الدوحة، وحضرها قادة ورؤساء وحكام عرب ومسلمون، لتكشف المزيد من عجز قادة هذه الأمة الذين أوقعوها في خيبة أمل عميقة جراء هزالة مواقفهم وقراراتهم التي لم ترق يوماً، كما الآن، إلى الحد الأدنى المطلوب لمواجهة العدوان الصهيوني الإجرامي المدان ضد العاصمة القطرية قبل أسبوع، فضلاً عن الاعتداءات التدميرية المستمرة ضد لبنان وسوريا واليمن”.

وأعربت الكتلة عن “استنكارها لاستمرار السلطة في انقيادها الطوعي خلف التعليمات والإملاءات الأمريكية التي تستهدف انتزاع كل نقاط القوة لدى لبنان وتركه فريسة سهلة أمام أطماع واعتداءات المحتل الصهيوني”، داعية إياها إلى “مراجعة حساباتها في ظل انكشاف المؤامرة وأهدافها بشكل واضح، سواء من خلال تصريحات العدو وداعميه الأمريكيين أو من خلال شروع العدو الصهيوني بتوسيع دائرة عدوانه باتجاه عدد من البلدان العربية”. كما دعت الكتلة “الحكومة، مع بدء مناقشتها الموازنة السنوية، إلى القيام بواجباتها عبر تخصيص اعتمادات لإعادة إعمار البيوت المهدمة بفعل العدوان الصهيوني المستمر في كل المناطق اللبنانية، ولا سيما الجنوبية منها، لأن الموازنة بصيغتها المطروحة تناقض ما التزمت به الحكومة في بيانها الوزاري لجهة الإسراع في إعادة الإعمار. وسيكون للكتلة موقف حازم في هذا المجال ولن تقبل بموازنة خالية من اعتمادات إعادة الإعمار”.

صدام داخلي داخلي

ورأى النائب إيهاب حمادة، عضو كتلة “الوفاء للمقاومة”، أن “هناك استعداداً عند بعض اللبنانيين للدفع باتجاه صدام داخلي داخلي، ولذلك عملنا بحكمة كبيرة لتجنيب لبنان الانزلاق إلى هذا الموقع، وكنا ثابتين وواضحين بأن الورقة الأمريكية تساوي تماماً الصدام الداخلي الداخلي. وهذا ما قاله أمير قطر بالأمس، بأن يُراد للبنان أن يدخل في حرب أهلية، وعبّر عن أن الورقة الأمريكية تدفع باتجاه الصدام الداخلي”.

وأشار حمادة إلى أن “الهمّ الرئيسي الآن لدى بعض الأطراف في الخارج والداخل يكمن في إضعاف الثنائي الوطني في تمثيل الطائفة الشيعية في الانتخابات النيابية المقبلة، والعمل على إيجاد ولو مجموعة صغيرة تدّعي تمثيلها للطائفة، كي يكتمل الانقلاب علينا من خلال وجود ثلاث مؤسسات دستورية في سياق واحد يخدم المشروع الصهيو–أمريكي في المنطقة. وهذا ما يُعمل عليه في هذه المرحلة”. وختم قائلاً: “في أول جلسة أيلول/سبتمبر كنا نعتقد أننا ذاهبون إلى حرب أهلية، لكننا اليوم في واقع آخر، وبات كل اللبنانيين على قناعة أنه لن يستطيع أحد أن يأخذ منا إبرة واحدة. لذلك كانت الدعوة لكل الأمة: إن سقوطنا يعني سقوط الأمة، وقوتنا تعني قوة الأمة، ومن يتآمر علينا لصالح الإسرائيلي سيكتشف أنه تآمر على نفسه ووجوده، وسيسقط هو، وسنبقى نحن بإذن الله”.

جعجع: إعادة بناء القدرات

في المقابل، انتقد رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أداء القوى الأمنية، وقال في بيان: “توالت في الأيام الأخيرة الاعتداءات على قوات حفظ السلام في الجنوب، بعدما كانت وقعت أحداث مماثلة في الأشهر الماضية، وبعدما أكدت الحكومة وجوب عدم التعرض لهذه القوات. إلا أن تكرار الاعتداءات يُظهر أن القوى الأمنية لا تتعامل بالجدية المطلوبة مع الوقائع على الأرض. وإلا فبماذا يُفسَّر استمرار هذه الاعتداءات، لو كانت القوى الأمنية قد قامت بواجباتها وتحمّلت مسؤولياتها عبر توقيف كل من اعتدى على هذه القوات؟”.

وتساءل جعجع: “كيف لدول العالم أن تتعامل مع الدولة اللبنانية بجدية، فيما ترى بوضوح أنه بعد تسعة أشهر على انطلاق العهد الجديد، وثمانية أشهر على انطلاق الحكومة، ما زالت السلطة في لبنان مترددة ومتلكئة؟”. واعتبر أن “ما حصل في هذين الشهرين يطرح علامات استفهام كبرى حول مسار الدولة الجديدة: من التصريحات الصريحة لمسؤولي حزب الله، التي تضع قرارات الحكومة في سلة المهملات، إلى إعلان الحزب جهاراً أنه يعيد بناء قوته العسكرية رغم قرارات الحكومة، وصولاً إلى الاعتداء على الأملاك العامة وقوات حفظ السلام… ذلك كله يستوجب من السلطة أن تتحمل مسؤولياتها تجاه الأكثرية الساحقة من اللبنانيين الذين يتوقون للعيش في ظل دولة فعلية تفرض وجودها على الأرض كما تفعل أي دولة طبيعية”.

متري: ورقة براك

وفي المواقف، أوضح نائب رئيس الحكومة طارق متري أن “الحكومة رحبت بخطة قيادة الجيش لبسط سيطرة الدولة على الأراضي كافة بقواها الذاتية”، ورأى أن “ما خلص إليه مجلس الوزراء كان بخلاف التوقعات، فهو لم يؤد إلى انقسام في البلد، إذ لا يريد الجيش استعمال القوة ضد أي فئة لتنفيذ المهمة الموكلة إليه”. وأشار إلى أنه “تمت الموافقة على أهداف خطة توم براك وليس على الخطة نفسها، وما جرى في الجلسة سببه الانقسام السياسي الحاد في البلد، وكون المبادرة الأمريكية والورقة اللبنانية المعدلة أقلقت بعض اللبنانيين، فيما عوّل آخرون على نجاحها”.

وكشف متري أن “الجيش وضع خطة من ثلاث مراحل: المرحلة الأولى مدتها ثلاثة أشهر، على أن يقدم الجيش تقريراً كل شهر، أما المرحلتان الأخريان فلا سقف زمنياً محدداً لهما”.