ما زالت مبادرة الرئيس المصري الخاصة بتطوير الإعلام تراوح مكانها، ومع مثل هذه المبادرات، يكون تعامل الجهات المنوط بها الأمر على طريقة المظاهرات، فهل يتذكر أحد «
“الحوار الوطني”، فقيد الأمة المصرية، والمرحومة لجنة العفو الرئاسي، المكلفة بإعداد قوائم سجناء الرأي ورفعها للرئيس للإفراج عنهم؟!
كل مبادرة في “أم الدنيا” عمرها قصير، وسريعًا ما ترقد على رجاء القيامة، ولسان حال هذه المبادرات: مملكتي ليست على هذه الأرض، مملكتي في المريخ، مع الدكتور عصام حجي، الذي ما زال إلى الآن يذهب إلى هناك بحثًا عن الماء بلا كلل، ولا نعرف سر هذا الإصرار، ربما لأنه يخطط لبناء أضرحة للمبادرات المصرية، التي تُستقبل بزفة، ويحدونا الأمل في غد أفضل، ثم نستيقظ على مبادرة أخرى، والمبادرات ينسى بعضها بعضًا.
لا أخفيكم سرًا أنه مع كل مبادرة أقول: ربما تغير القوم، وربما تغيرت نفوسهم فصاروا يريدون الإصلاح ما استطاعوا، مع أن عقلي الباطن يقول شيئًا آخر، وفي كل مرة أكون كمن صام ثم أفطر على بصلة!

مدبولي على الخط واستبعاد نقيب الصحافيين

في الأسبوع الماضي، دخل رئيس الوزراء على الخط، لبحث تنفيذ مبادرة الرئيس، وعقد اجتماعًا مع رؤساء تحرير الصحف السيارة، واستبعد من الحضور نقيب الصحافيين خالد البلشي، وليست هذه هي المرة الأولى، فقد استبعده رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (المهندس) خالد عبد العزيز من اجتماع سابق لتنفيذ المبادرة الرئاسية. النقيب مغضوب عليه، مما دفع الحكومة إلى أن توقف التزاماتها التاريخية تجاه النقابة. فالسلطة غاضبة ليس لأن البلشي تمكن لدورتين من الفوز بالموقع وإسقاط مرشح الحكومة؛ خالد ميري في الأولى، وعبد المحسن سلامة في الثانية، بل سبب الغضب هو سماحه بعدد من المظاهرات على سلالم النقابة للتضامن مع غزة، فكان لا بد أن يُعاقَب بالتجاهل، وعدم الوفاء بالالتزامات!
قرأت ما تمخض عن الاجتماع الأول على موقع المجلس الأعلى للإعلام فأصبت بدوار البحر. فعلى الرغم من رص الكلام المنشور، إلا أنني لم أفهم ما يريد القوم قوله على وجه التحديد. وجاءت تصريحات رئيس الوزراء في اجتماعه مع رؤساء التحرير، فاكتشفت أننا في مرحلة «التعرف على الأشياء».. هذا بابا.. وهذه ماما، واسمع كلام أمك ولا تسمع كلام أبيك. أي مرحلة الطفولة البشرية، حسب التوصيف الأنثروبولوجي!
الدكتور (مهندس) مصطفى مدبولي، رئيس الحكومة، قال إنه سيتم إشراك أبناء المهنة في وضع خطة تطوير الإعلام استجابة لتوجهات الرئيس. والمعنى أن اجتماعه هو تنفيذ للمبادرة الرئاسية. واللافت هنا أن سيادته يجتمع مع من هم السبب الرئيس في الحال المزري، الذي وصلت إليه الصحافة المصرية، وغير المسبوق في تاريخ البلاد منذ الطفولة الإعلامية، ولو في عهد الاستبداد الأول (1952-1970)، ومع فرض الرقابة على الصحف. وكأن (المهندس) رئيس الحكومة، ومن قبله (المهندس) رئيس الأعلى للإعلام، وبجانبه (المهندس) عبد الصادق الشوربجي، رئيس الوطنية للصحافة، يسلّمون بأن تطوير الإعلام، واعتماد إعلام الرأي والرأي الآخر (حسب توجيهات الرئيس)، يمكن أن تقوم به هذه الاختيارات البائسة التي تخلقت في رحم الفشل!

إلى مقابر العائلة في المريخ:د

والمدهش أن القوم عندما يكونون في وصلة من وصلات “المكايدة السياسية”، يتحدثون عن حضارة السبعة آلاف سنة. فمن أنتم؟!
إلا أنهم في تطوير الإعلام، تبدو مصر كما لو كانت طفلة تتعرف على الأشياء للتو، مع أن الإذاعة بدايتها الحقيقية كانت سنة 1934، بعد مرحلة الطفولة الإذاعية وهي مرحلة الإذاعات الأهلية، وقد استوت على الجودي منذ هذا التاريخ. كما أن التلفزيون بدأ في مصر سنة 1960، أما اتصال المصريين بالصحافة فكان في عام 1805. ومع ذلك فإن أولي الأمر منهم الآن ينظرون إلى أن بدء الخليقة كان على أيديهم منذ يوليو/تموز /يوليو 2013، وقبل ذلك كان العدم. ونحن في مرحلة الطفولة الإعلامية بحاجة لنتعرف على: ما هي الصحافة، ما هو التلفزيون، وماهية الإذاعة. وعندما نتجاوز مبحث التعريفات والمفاهيم، يكون الناس قد نسوا مبادرة الرئيس، كما نسوا الحوار الوطني، نسيانهم للجنة العفو الرئاسي، لينتقلوا جميعًا إلى مقابر العائلة في المريخ!
السادة المهندسون يفرغون المبادرة من محتواها. فهل لم يكن الرئيس جادًا في ذلك؟ قد أختلف مع كثيرين وأرى أنه في اللحظة التي فكر فيها في مبادرة تطوير الإعلام لم تكن تنقصه الجدية. وقد بدا لقاؤه مع ثلاثي رؤساء الهيئات الإعلامية متحدثًا عن التطوير مفاجئًا، لكن هؤلاء يقتلون عشرات المبادرات، لأن أي خطة لتطوير الإعلام المصري لا تتم إلا في غيابهم، ولن تبدأ إلا بدونهم. فنحن لسنا بحاجة إلى تعريف المعرّف، وإضاعة الوقت في مناقشات بيزنطية، أولى بها كليات الإعلام. ثم يكون المنتج من هذا الجدل يُصنع منه “صباع كفتة” عالج من قبل الإيدز ويمكنه بالتالي علاج الفشل الإعلامي!

الحرية والنشر الإلكتروني

إن الذين يتحدثون عن أن نجاح الإعلام لن يكون إلا في جو من الحرية المكتملة، مثلهم مثل من يُرجعون انهيار الصحافة الورقية إلى أننا في زمن النشر الإلكتروني، ويُرجعون فشل الإعلام التلفزيوني إلى أنه لا تتاح له الحرية المتاحة لقناة “الجزيرة”. ولم يعد أحد الآن يتكلم عن الاعتمادات المالية، فالشركة المتحدة تنفق على إعلامها من مال قارون!
إن الحديث عن تراجع الورقي لصالح الإلكتروني يطرح سؤالًا: وأين التفوق الذي حققته البوابات الإلكترونية، وكل صحيفة لها موقع إلكتروني؟ إذن المشكلة في المحتوى!
وباعتباري واحدًا من “القدماء المصريين” الذين يتابعون قناة “ماسبيرو زمان” باهتمام، أقول للقوم أن ينسوا قناة “الجزيرة”، ويركزوا في المقارنة بين ماسبيرو زمان وماسبيرو هذه الأيام، من حيث المقابلات والشخصيات، ومن حيث الدراما وتفوقها. ولقد كان برنامج «صباح الخير يا مصر» من أفضل البرامج مقارنة بقنوات الكوكب (لا ندري ماذا يجري في المريخ). وبدأت قناة النيل للأخبار مبشرة، ومن شباب صغير لا تنقصه الحيوية، لكن كان هذا تحت إشراف إعلامي قدير هو حسن حامد. فلما انشغل بقطاع القنوات المتخصصة، انتهت القناة مع وجود المذيعين ومقدمات البرامج أنفسهم. فالمشكلة في القيادة، وهذا هو بيت القصيد!
ومع عدم توافر الإرادة السياسية للنهوض بالإعلام المصري، فإن كل ما يحدث الآن هو زوبعة في فنجان. والنجاح الإعلامي لا يدور وجودًا وعدمًا مع إقرار الحريات، لأن الحرية في يد فاشل لن تنقذه من الفشل، والمهني يمكنه المناورة مع الاستبداد. والسياسة ليست هي كل العمل الإعلامي. ولا يعقل أن يكون مذيعو المرحلة هم «وجه القفص» في مصر بمفهوم تجار الفاكهة، ولا يجوز في حق مصر أن يكون رئيس التحرير بلا تاريخ مهني، ولا يجيد كتابة مقال بحرفية الكتاب الأولين. لا أقول مصطفى شردي وعادل حسين، لكن موسى صبري وإبراهيم سعدة، ولا نقول هيكل!
عندما كانت «أخبار اليوم» توزع مليون نسخة، هل كانت تتمتع بالحرية السياسية؟ وعندما كان يرتفع توزيع الأهرام إلى ربع مليون نسخة يوم الثلاثاء (مقال فهمي هويدي)، والجمعة (عبد الوهاب مطاوع)، هل كان الأخير يكتب في السياسة، وهل كان ما يكتبه الأول يحرض على الثورة؟ سيقولون: الإلكتروني.. هل انتقل القراء إلى الإلكتروني؟ السؤال: لماذا هربوا؟
وقد يقفز أحدهم بالقول إن الناس تعتمد على السوشيال ميديا ولم تعد تقرأ. ومنذ أن وعيت على ظهر الدنيا والمستقر هو أن الناس لم تعد تقرأ.. فمتى كان يقرأ الناس؟ لكن من سوء حظهم أن مواقع إلكترونية عربية في الخارج يطالع الواحد منها عدة ملايين في اليوم! فأين مشكلتكم؟!
وعندما كان التلفزيون المصري يقدم مقابلات مع شخصيات كبيرة، ولا تزال تشدنا إلى الآن، هل كانوا يقتربون من السياسة؟ وبالمناسبة لم تكن كل المذيعات فلتات. وهل في الدراما الاجتماعية القديمة التي تعرضها «ماسبيرو زمان» ما يحتاج للحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق؟!
ما علينا، فلن يصلح الإعلام المصري إلا بما صلح به في البداية: بسحبه من الأجهزة الأمنية، ليكون ملفًا بيد الرئيس. وبغير هذا سنظل ندور في حلقة مفرغة، ونسأل في بلاهة أو براءة: ما الصحف؟ ما الراديو؟ ماذا يعني التلفزيون؟!
فلتغنوا مع المطرب أحمد سعد: اختياراتي مدمرة حياتي!

صحافي من مصر