فاروق غانم خداج
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
لا يخفى على قارئ الأدب العربي الحديث أن اسم “أدونيس” يرن كنبراس ثوري في فضاء الشعر العربي، فشاعر وفيلسوف ومفكر في آن واحد. علي أحمد سعيد إسبر، المولود في قرية قصابين في محافظة اللاذقية عام 1930، لم يكن مجرد شاعر يكتب كلمات متناسقة، بل كان ظاهرة فكرية تتجاوز حدود الشعر إلى آفاق التأمل والتحليل وإعادة صياغة الوعي العربي من خلال اللغة. إنه من قرأ التراث قراءة جريئة واستخلص من كتب الأولين نارًا تضيء للآخرين درب الحرية، معلنًا استقلالية الفكر والكلمة.
في الخمسينات والستينات، كان المشهد الثقافي العربي يعيش تحولات جذرية. مع استقلال العديد من الدول العربية وبروز حركات التحرر الوطني، تشكلت بيئة حاضنة للتجديد الأدبي والفكري. في هذا السياق التاريخي الحافل، برز أدونيس ليعلن ثورته على الجمود، فمع إطلاق مجلة شعر عام 1957 مع يوسف الخال، مثلت منعطفاً حاسماً في تاريخ الشعر العربي. لم يكتف أدونيس بترديد ألحان القدماء، بل انغمس في أعماق الأسطورة والتاريخ باحثًا عن جذور الكلمة الحية، محولاً الشعر العربي إلى أداة للبحث الوجودي والفكري.
من بين آثاره الأدبية العديدة، يبرز ديوان أغاني مهيار الدمشقي كصرح شعري يجمع بين التأمل الوجودي والحكاية التاريخية، حيث يستحضر الروح العربية القديمة ليعيد صياغتها بلغة جديدة غنية بالرمزية والمعنى. أما كتابه النقدي المسرح والمرايا، فيمثل دراسة عميقة في طبيعة الشعر العربي وحدوده، وكأن الشاعر يعلن أن لا يصلح الشعر إلا بالنقد، ولا يصدق النقد إلا بالشعر. وفي تجاربه المتأخرة، يأتي أبجدية ثانية كمشروع طموح لإعادة تشكيل اللغة نفسها، حيث تكتسب الحروف دلالات جديدة، وتتحول المعاني إلى عوالم متخيلة.
لقد ظل أدونيس منذ ثمانينيات القرن الماضي مرشحًا متكررًا لجائزة نوبل للأدب، وفق تقديرات النقاد ومراكز الدراسات الأدبية، مع الإشارة إلى أن الأكاديمية السويدية لا تعلن رسميًا أسماء المرشحين، مما يجعل هذه الترشيحات تقديرية. ومع ذلك، يبقى التساؤل المحوري قائماً: هل يمكن لشاعر عربي أن يصل بأفقه الفكري إلى العالمية دون أن تفقد لغته روحها الثقافية الأصيلة؟ وهل يمكن للغة العربية بكل ثرائها أن تُترجم بروحها إلى لغات الآخرين؟
تواجه الأكاديمية السويدية تحديًا حقيقيًا في تقييم الأدب العالمي، وقد يكون تعقيد اللغة الشعرية لأدونيس وتحديات ترجمتها سببًا في تأخر حصوله على الجائزة. ومع ذلك، يستمر أدونيس بعبوره الحدود الجغرافية والثقافية ليصل إلى قلوب عشاق الشعر الأصيل حول العالم. إن إبداعه لا يقتصر على الصور البيانية والكلمات الموزونة، بل يتعداها إلى عالم الفكر والرؤية والرمزية، مانحًا اللغة العربية قدرة متجددة على البقاء والخلود.
لقد كان أثر أدونيس على الشعر العربي عميقًا وشاملاً، حيث حوّل القصيدة من مجرد كلمات موزونة إلى رحلة استكشافية في أعماق الذات الإنسانية. لقد أثر في أجيال متعاقبة من الشعراء العرب، مفتتحًا أمامهم آفاقًا جديدة للتعبير، ومشكلًا لغة شعرية حديثة تتسم بالحرية والعمق والبحث عن المعنى.
تميز أدونيس بقدرة فريدة على الجمع بين التراث العربي الأصيل والرمزية الغربية المعاصرة، بين أسطورة الشرق ووعي الغرب، ليخلق لغة شعرية فريدة تعبر عن التجربة الإنسانية بمختلف أبعادها. إنه الشاعر الناقد الذي يحلل التراث ويعيد بناءه برؤية حداثية، والمفكر الذي يحول كل كلمة إلى عالم فلسفي، محولًا الشعر إلى أداة للتأمل الوجودي والتحليل النقدي.
كمثال على ذلك، من نصه في أبجدية ثانية:
الحرف عندي ليس مجرد علامة، بل هو عالم ينبض بالمعنى، ويمتد إلى الوعي ككل.
هذه العبارة توضح كيف يعيد أدونيس بناء اللغة، ليمنحها بعدًا فلسفيًا وفكريًا يتجاوز وظيفة الحرف التقليدية.
تكشف الترشيحات المستمرة لأدونيس لجائزة نوبل عن إشكالية العلاقة بين القيمة الأدبية الحقيقية والاعتراف الدولي الرسمي. فبينما يراه الكثيرون في العالم العربي أعظم شاعر معاصر، تبقى معايير الأكاديمية السويدية محكومة برؤية أكاديمية غربية. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا حول مدى قدرة الجوائز الدولية على تقييم الإبداع الأدبي الحقيقي الذي ينبع من تربة ثقافية مختلفة.
إلى جانب ترشيحاته للنوبل، حاز أدونيس على جوائز عالمية مرموقة، منها جائزة جوته الألمانية عام 2011، ما يعكس تقدير العالم لمكانته الفكرية والأدبية.
يبقى أدونيس رمزًا حيًا للشعر العربي المعاصر، ومنارة فكرية تنير طريق الأجيال الجديدة من الشعراء. إن قراءة أعماله تمثل فرصة ثمينة لفهم كيف يمكن للشعر أن يكون أداة للتجديد الفكري، وكيف يمكن للشاعر أن يكون مؤرخًا للغة والثقافة والروح الإنسانية دون أن يفقد صلته بجذوره العربية الأصيلة.
في الختام، يمكن القول إن أي تكريم مستقبلي لأدونيس بجائزة نوبل سيكون تتويجًا لمسيرة إبداعية حافلة، لكنه لن يكون الهدف النهائي. فالأهم من أي جائزة أن يبقى الشاعر حيًا في ضمير قرائه، وأن تبقى كلماته منارة تضيء طريق الأدب العربي الحديث. إن مشروعه الثوري الأدبي يمثل شاهدًا حيًا على قدرة الكلمة العربية على التجدد والخلود، ودليلاً على أن الشعر الأصيل قادر على تجاوز كل الحدود والقيود، ليصبح تراثًا إنسانيًا خالدًا.
هكذا، يصبح أدونيس أكثر من مجرد مرشح لنوبل، إنه مشروع ثوري حي للكلمة العربية، وقوة فكرية وشعرية تتجاوز الحدود والزمان، ليصبح إرثًا ثقافيًا خالدًا للأمة العربية والعالم أجمع.
