*شرف أبو شرف
في مدينةٍ تفيض بالفنّ والتاريخ، وتشمخ من بين جدرانها أنفاس عصر النهضة، قصدتُ فلورنسا — العاصمة الإيطالية القديمة — برفقة صديقٍ لبنانيٍّ رسّامٍ اختير من بين آلاف الفنانين حول العالم للمشاركة في المعرض العالمي الخامس عشر للفن المعاصر، الذي تحتضنه المدينة كل عام. يحمل المعرض لهذا الموسم عنوانًا فلسفيًا وإنسانيًا عميقًا:
«الجوهر السامي للنور والظلام: مفاهيم الازدواجية والوحدة في الفن المعاصر»،وهو دعوةٌ للتأمل في العلاقة الأزلية بين النور والظل، وبين الصراع والوئام، وفي جدلية الحياة التي لا تكتمل إلا بتناقضاتها. يُنظَّم المعرض بالتعاون بين البرلمان الأوروبي ورئيس منطقة توسكانا ورئيس بلدية فلورنسا، وقد حظي هذا العام بدعمٍ مميّز من الفنان والمخرج العالمي تيم بورتون، الذي شارك بخبرته وخياله الفريد في إنجاز المشروع.
تولّت لجنة تحكيم دولية تضم أبرز خبراء الفن المعاصر في العالم اختيار الأعمال المشاركة من بين آلاف الترشيحات، لتقدّم بانوراما واسعة من الإبداع العالمي. كما تمّ تكريم شخصيتين لامعتين في مجال الفن والتصميم المعاصر:
• تيم بورتون، المخرج والفنان المعروف بقدرته على تحويل الخيال إلى صور نابضة بالحياة،
• وباتريسيا أوريكويولا، المهندسة المعمارية والمصممة الإسبانية التي تتميز برؤيتها المبتكرة وحسّها الإنساني.
لقد تحوّل هذا الحدث على مرّ السنوات إلى تظاهرة ثقافية عالمية تُعيد إحياء روح النهضة في فلورنسا، المدينة التي أنجبت دافنشي وميكلانجلو وبوتيتشيلي.
ومن خلال الفن المعاصر، تسعى فلورنسا اليوم إلى تأكيد قيم السلام والتسامح والانفتاح، وترسيخ دور الثقافة جسراً بين الشعوب ووسيلة للتواصل والتفاهم في عالمٍ يزداد انقساما.
الفنّ هنا ليس زينة بصرية، بل لغة كونية تتخطّى الحدود والاختلافات، وتحوّل التنوّع إلى ثروة إنسانية مشتركة. فهو أداة للحوار ونافذة نحو الذات والآخر في آنٍ واحد.
ضمن هذا المشهد العالمي، لفت الأنظار الفنان اللبناني أديب حداد الذي عرض لوحة أكريليك على قماش (100 × 100 سم) تعكس بحثاً بصرياً عميقاً في التوازن بين العقل والحدس، وبين الشكل والفراغ، وبين الصمت والحركة.
حداد، حفيد الفنان اللبناني الراحل “أبو ملحم”، انتقل من عالم المال إلى عالم الفن عام 2020، في رحلةٍ لاكتشاف الذات والتعبير عن جوهرها من خلال اللون والضوء. بدأ مسيرته بـرسوم فحمية حملت عاطفة إنسانية خاماً، ثم انتقل إلى لوحات سريالية بالأبيض والأسود استكشف فيها ثنائية النور والظلام (2021–2023). وفي المرحلة اللاحقة، اتجه إلى التجريد اللوني النابض بالأشكال الدقيقة والرموز البصرية (2024). أما في أعماله الراهنة (2025)، فتتركّز رؤيته حول الذات الداخلي. إذ يرمز المربّع إلى الثبات والعالم المادي، بينما تعبّر الدائرة عن البعد الروحي. ومن خلال التفاعل بين اللون والضوء والفراغ، يسعى الفنان إلى إيقاظ تأملٍ صامتٍ في ترابط الوجود وروحانيته.
يطرح المعرض مفهوم الازدواجية لا كصراعٍ بين قوتين متعارضتين، بل كحوارٍ بين جوانب النفس والعالم، وكطريقٍ نحو النضج والفهم المتبادل. فالنور لا يتجلّى إلا حين يلامس الظل، والجمال لا يولد إلا من رحم التناقض.

من المعرض العالمي الخامس عشر للفن المعاصر فلورنسا (النهار).
وهكذا، تواصل فلورنسا – مدينة الجمال والفكر – رسالتها الإنسانية عبر هذا الحدث العالمي، مؤكدةً أن الفن والثقافة هما صوت السلام وأمل المستقبل، وأن الإبداع حين يعبّر عن جوهر الإنسان، يصبح لغة النور في زمنٍ يثقل كاهله الظلام.
