أليسيا فالكو خلال العرض الأول للمسلسل في مدريد، سبتمبر 2025 (بابلو كوادرا/ Getty)
تهاجم الصين تايوان، وتهاجم روسيا النرويج، ويقصف “الحلفاء” سانت بطرسبرغ. في مسلسل نتفليكس الجديد “مخبأ الأثرياء”، تندلع الحرب العالمية الثالثة، ويتتبّع العمل مجموعة من الأثرياء المستعدين لها بدقة. هؤلاء اشتروا مسبقاً تذاكر لأنفسهم ولعائلاتهم إلى “كيميرا” ــ مخبأ فاخر يقع على عمق مئات الأمتار تحت بحيرة إسبانية ــ تحسباً لمثل هذه الكارثة. من هناك، يشاهدون، عبر الشاشات، في مشهدٍ محيّر، العالم الذي عرفوه ينهار أمام أعينهم. وبينما يزداد الوضع رعباً في الخارج، ينغمسون في حياةٍ شبه مثالية داخل بلدتهم الصغيرة الحصرية التي تضم ملعب كرة سلة ومطعماً وحديقة زنّ وبار كوكتيل وأريكة طبيب نفسي وصالة ألعاب ومنتجعاً صحياً. هذا ما تؤول إليه امتيازاتهم الأسطورية: العيش في حفرةٍ فاخرة، في عالمٍ غارقٍ بالألغاز، لا ينقصه الماضي المعقّد لعائلتين عالقتين معاً.
المسلسل من ابتكار أليكس بينا وإستر مارتينيز لوباتو (لاكاسا دي بابل، برلين، سماء حمراء)، ويشارك في بطولته أسماء إسبانية بارزة مثل ميرين إيبارغورين وناتاليا فيربيكي وكارلوس سانتوس، في صورةٍ شعاعية عاطفية ومكثفة ومفاجئة لمليونيرات يعيشون في حفرةٍ ذهبية. يبدو تصميم “مخبأ الأثرياء” مزيجاً من وصفات “نتفليكس” المجربة والمضمونة النجاح. هناك القليل من “لعبة الحبّار”، ولمسة من “المنصّة”، وجرعة وافرة من “المرآة السوداء”، وبالطبع الكثير من “لا كاسا دي بابل”، المسلسل الذي رسّخ شهرة مبتكريه. المكوّنات مألوفة: فكرة مستقبلية تركّز على التكنولوجيا؛ صراع طبقي داخل مساحة مغلقة؛ نظرة قاتمة إلى مستقبل البشرية؛ ومزيج من الانبهار والريبة تجاه الذكاء الاصطناعي وما يتفرّع عنه. لكن النتيجة؟ مزيج من عناصر لا تُنتج في النهاية كلاً متماسكاً.
كما هو الحال مع كثير من تلك التأثيرات، تدور معظم أحداث “مخبأ الأثرياء” داخل المخبأ نفسه الذي يحمل المسلسل اسمه. غير أنّ الوصول إلى هناك يسبقه صراع عائلي رئيسي: ماكس (باو سيمون)، وريث عائلة أعمال ثرية، ينطلق في رحلة برّية مع صديقته. بعد حادثٍ مروّع، يهرب تاركاً إياها تموت. يمضي سنوات في السجن، يعاني ويقسو، قبل أن يُفرج عنه بعد ثلاث سنوات. يأتي والده بخبرٍ عاجل: حرب نووية وشيكة، والعائلة تمتلك مكاناً في مخبأ فاخر تحت الأرض. يرفض ماكس أولاً، ثم يُجبر على الذهاب. يُقدَّم المخبأ بوصفه فندقاً مستقبلياً عالي التقنية، أشبه بسفينة فضاء مخفية حيث يركب أغنى أغنياء أوروبا على متن نهاية العالم. هناك، يواجه ماكس عائلة الفتاة التي قتلها عن طريق الخطأ ــ والدها (خواكين فورييل)، زوجته الجديدة (أغوستينا بيسيو)، وشقيقتها آسيا (أليشيا فالكو) ــ إلى جانب والديه (ناتاليا فيربيكي وكارلوس سانتوس). يتصاعد التوتّر بين العائلتين فوراً، ويصبح أحد المحرّكات الدرامية الأساسية للمسلسل.
جوهر القصة يكمن في كشف حقيقة ما يجري داخل المخبأ. يتّضح أن مصمّميه، الذين تقاضوا مبالغ طائلة مقابل “تذاكر الدخول”، يخدعون الأثرياء بوسائل تكنولوجية معقّدة. لنقل إن الواقع ليس كما يظنّه السكّان، وإن المنظّمين ــ بقيادة مينيرفا (ميرين إيبارغورين) ــ لديهم خطط أخرى لزبائنهم المليارديرات. ومن هنا تتشعّب الحبكة: صراعات بين الضيوف، وأخرى بينهم وبين “العمّال” الذين يديرون المكان (يرتدون زياً موحداً يذكّر بـ”لعبة الحبّار”)، بل حتى خلافات داخل فريق المنظّمين أنفسهم. تتخلّل الأحداث ذكريات الماضي التي تكشف خلفيات الشخصيات ودوافعها، مشكّلة نسيجاً متشعّباً من الحكايات الفردية. ليست الحكاية عن النجاة في نهاية العالم، بل عن سردٍ مستقبلي غريبٍ يتناول الصراع الطبقي المعاصر.
المسلسل حافل بالتقلّبات الدرامية، والرومانسية، والجنس، والمشكلات العائلية، والصدمات النفسية، وهي عناصر مألوفة في الأعمال التلفزيونية الحديثة، لكنها هنا تُضعف البناء القصصي.
يحمل العمل في جوهره مادةً غنيةً: من حربٍ نووية إلى ألاعيب مالية لمليارديرات، ومن غضب الـ99.9% على الـ0.1% إلى تساؤلات حول تحريف الواقع عبر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. لكن هذه الأسئلة تضيع في زحمة حبكات فرعية تميل إلى الكليشيه وتفتقر إلى العمق.
بوصفه مسلسلاً طموحاً وعالي الميزانية وصاحب فكرة مفاهيمية قوية، يجذب “مخبأ الأثرياء” الانتباه ويثير الجدل. دوافعه السياسية ملتبسة على الأقل (إذ يردد أحياناً شعار ترامب عن وجود “أشخاصٍ جيدين على الجانبين” أو نقيضه)، ويكثر من التعليقات اللاذعة على واقعنا المعاصر (“لقد دجّنونا بمرتّبات الـ1000 يورو وبيتزا دليفيري ونتفليكس”، كما يقول أحدهم مازحاً). ومع ذلك، يتخلله الكثير من مشاهد الحركة العشوائية التي لا تبلغ تأثيرها المقصود، وتركيز مملّ على محادثات حميمة تفتقر إلى صدق العاطفة.
ورغم ذلك، يحتفظ “مخبأ الأثرياء” بأهمية مخيفة اليوم. فمليارديرات مثل مارك زوكربيرغ وبيتر ثيل يشترون عقارات في أماكن نائية مزودة بمخابئهم الخاصة، بينما يخطط إيلون ماسك لهجرة البشرية من الكوكب. لم يعد تخزين الطعام أو تعلّم الدفاع عن النفس بدافع الهوس بالكوارث تصرفات غريبة. ومع ذلك، لا يحقق المسلسل إمكاناته الكاملة. فالأسباب الاجتماعية التي تدفع البعض إلى التحصّن وترك الآخرين لمصيرهم تُهمَل تماماً. اللغة البصرية محدودة الخيال، والمفاهيم تظل سطحية، ومع ذلك يبقى بين أكثر الأعمال مشاهدة على المنصّة الحمراء.
