القاهرة ـ «القدس العربي»: «تلميذ صغير يخرج عن السطر دائماً، ولا يمشي عليه رغم العقوبات المتتالية التي تنهال عليه من معلمته، قاسية القلب للخروج عن السطر». (من رواية إيثاكا).

يُقرأ الروائي المصري رؤوف مسعد (1937–2025) بوصفه كاتباً لم تفارق حياته طباع نصوصه؛ حِدّةٌ صاغت رؤيته وجعلته يقيم خارج النسق سياسيّاً واجتماعيّاً وإبداعيّاً، في الأفكار والموضوعات وأسلوب الكتابة كما في اختبارات الحياة. في سيرته محاولات للانخراط في تنظيمات كحزب الله، ورحلة إلى إسرائيل بدافع الاقتراب من «الآخر»، ثم مواقف حادّة مؤيِّدة لحركة حماس ومخاصِمة لمنتقديها؛ وكان يواجه الخصومة بمنطق الصدام والامتحان، رافضاً ما يعدّه مزايدة لفظيّة لا تُنتج موقفاً.

قلق مزمن
لا تنسجم حياة رؤوف مسعد تحت عنوان (التمرد)، الذي كان من سمات شخصيته، ولكنه انعكاس لحالة دائمة من (القلق)، وهو ما تغاضى عنه في سنواته الأخيرة، بعد استقراره في أمستردام، بين زوجة وأولاد وأحفاد، وبعد تجارب عدة انتهت بالفشل، سواء في العمل أو الزواج.. «خبرت الغربة مبكراً في بولندا، حيث درست الإخراج المسرحي، ولم أحبها ولم أنخرط فيها، ولم أجدني مع ذلك متلهفاً للرجوع إلى مصر، ولا إلى السودان الذي أعتبره موطني الأصلي. تغريبتي في لبنان مثلاً انتهت باجتياح الجيش الإسرائيلي لبيروت صيف عام 1982، فاخترت العودة لمصر، ليس باعتبارها موطناً، ولكن باعتبارها منفى اختيارياً لي خبرة معقولة بسجونه». (مجلة «بدايات» العددان 20-21 – 2018).
وربما بدأ هذا المنفي منذ زمن، فالرجل من مواليد السودان عام 1937، وجاء إلى مصر فشعر بالغربة، ثم التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة لدراسة الصحافة، وتخرج فيها عام 1960، وهو العام نفسه الذي تم اعتقاله فيه بتهمة الانتماء لتنظيم شيوعي. بعدها انتقل بين عدة تنظيمات، كانت قوانينها تحد بدورها من حريته التي لطالما سعى إليها بكل الطرق. في عام 1970 انتقل إلى وارسو لدراسة المسرح، وفي عام 1975 عمل في بغداد كمستشار درامي في مؤسسة السينما والمسرح، حتى وصوله إلى بيروت في عام 1979 للعمل في جريدة «السفير» ومجلة «لوتس»، حتى غادرها بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 والعودة إلى مصر، ثم السفر مرّة أخرى إلى هولندا والاستقرار فيها منذ عام 1990.

«بيضة النعامة»


بدأ مسعد الكتابة بعد الخمسين، دون أن ينتوي أن ينشر ما كتبه، فقط بحثاً عن نفسه، ومحاولة تذكّر ما كان، حتى لا تنفلت منه الأحداث والشخوص والأماكن، إلا أنه في الأخير وجد ضالته.. «حين رأيت نسخ (بيضة النعامة) وعليها اسمي، ساعتها فقط عرفتُ أني سأواصل الكتابة مكرساً كل وقتي لها». قبلها اشترك في كتاب بعنوان «إنسان السد العالي» 1967 مع صنع الله إبراهيم وكمال القلش. كما دوّن تجربته في بيروت في كتاب بعنوان «صباح الخير يا وطن» 1983. إلا أن التجربة الحقيقية تحققت في «بيضة النعامة» 1995، والتي أخذت ما يقارب العشر سنوات، كتابة ومراجعة. وبها وجد على الساحة الأدبية، لما حمله العمل من كتابة ولغة وأسلوب مختلف عن الأدب السابق عليه.. كتبت «بيضة النعامة» ببطء ومعاناة لأني لم أكن واثقا من جدواها أصلاً، أو حتى كينونتها الروائية. لذا لم أهتم أساساً بالتوافق مع النغمة السائدة في الكتابة، المتعلقة بالانصياع للسلطات. وقررت أن أخرج مُتعمداً عن المحرمات الثلاثة.. الدين والجنس والسياسة في الكتابة الإبداعية العربية، لأني لم أكن عابئا بنشرها أو عدم نشرها، خاصة بعد أن بدأت استمتع بكتابتي فيها؛ حيث إن الكتابة سحبتني إلى عوالم الأحلام المنسية والذكريات المختبئة لاسترجاع أزمنة مضت. ويبدو أن توقيت نشرها في 1995 جاء مناسباً بالصدفة، حيث إن القراء كانوا على استعداد لتلقي هكذا كتابة بحماس». (راجع حواره في «القدس العربي»، عدد 7 مارس/آذار 2015). كما يذكر في مكان آخر قائلاً.. «استلهمت اسمها من رمز الكنيسة الأرثوذكسية، وهو رمز للاستمرار، فالنعامة تظهر نفسها للصياد كي تُشتّت انتباهه عن بيضها.. عن المستقبل».
وجهة النظر هذه والأسلوب نفسه في معالجة الموضوعات والقضايا الشائكة، التي وربما إلى وقت ليس بقريب، لن تُحل، هي النغمة التي تنوعت بشكل أو بآخر في مؤلفات مسعد اللاحقة.. «مزاج التماسيح» 1998، «غواية الوصال» 2003، «إيثاكا» 2006، «زجاج معشق» 2014، «زهرة الصمت» 2016، و»لما البحر ينعس.. مقاطع من حياتي» 2019. مع ملاحظة أن معظم هذه العمل ترجم إلى لغات عدة، منها .. الإسبانية، الفرنسية، الإيطالية، والهولندية.

الإيروتيكا والسلطة
يرى مسعد الجنس كما يقول في «بيضة النعامة» أنه «الترمومتر الذي يعطيني مؤشرات واضحة عن الحركة الداخلية للمجتمع. ليست فقط العلاقات الجنسية بمعناها المباشر، لكن الاتصال الجسدي بكل تعقيداته بما فيها الاحتراف الجنسي كمهنة للجنسين في المجتمع المصري، في ما بعد الانفتاح». وعن الإيروتيكا والسلطة يقول.. «هي ثنائية معقدة ومركبة، لأن السلطة (أي سلطة كانت) تعتقد أنها «تمتلك» المواطنين، وبالتالي تقوم بتهجينهم وبترويضهم حتى ينصاعوا لها دون تمرد. هذا حدث ويحدث في السلطة الدينية (بأنواعها وطوائفها) من خلال التحريم والتحليل، كذلك السلطة السياسية، من خلال القوانين التي ترتدي مسوحاً أخلاقية، خاصة القوانين المقيدة للأنشطة الجنسية الشخصية (المثلية)، التي تتخذ وتلبس مسوحاً دينية تحريمية. أما الإيروتيكية فهي متعددة الأنواع والأطياف، وتساعد الإنسان على التماهي مع خيالاته وفانتازياته الجنسية الكثيرة والمعقدة، مثل الفتشية والسادو/مازوخيزم.. إلخ. أي «إطلاق الحرية» وليس تقييدها سلطوياً أو دينياً أو سياسياً. هنا يبدأ الصراع والتناقض بين «الانسان» والسلطة» (راجع .. حواره في «القدس العربي»).

من «مزاج التماسيح» إلى «زهرة الصمت»
جاءت رواية «زهرة الصمت» 2016 وكأنها تتمة لرواية «مزاج التماسيح» 1998، وفيها أشار مسعد إلى الاستعانة ببعض شخصيات وأحداث رواية «مزاج التماسيح»، استكمالاً ولو بشكل غير مباشر لأحداث وتفاصيل، أو البحث بمعنى أدق، أو كما يقول رؤوف مسعد نفسه، بأن «مزاج التماسيح تعد نبوءة لم تكتمل». وكما كانت تدور أحداث «مزاج التماسيح» موضحة العلاقة المتوترة بين مسلمي ومسيحيي مصر، تأتي «زهرة الصمت» لتواصل البحث عن علاقة المصري بالآخر/المحتل، وكيف ستكون مصر طوال تاريخها في هذه الإشكالية أو العلاقة المتوترة دوماً، بين سكانها والغزاة على مرّ العصور. وهناك المشهد الختامي الدال في «زهرة الصمت»، حيث اشتعال ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وواقعة ماسبيرو الشهيرة، وما تعرض له المتظاهرون من محاولات دهس بمركبة للجيش أمام مبنى التلفزيون. فبينما يلمح جندي الحراسة على باب المبني في الليل، زهرة تشق أرض الشارع أمامه، تتفتح، ثم تختفي حين داستها عربة تبديل الحراسة الطائشة، إلا أنها تنهض وتتفتح من جديد كأنها في نوبة حراسة أخرى مقدسة.

المتاجرة بالنضال
وعن الذين يتاجرون بفترة سجنهم، ويفرضون وجودهم من خلال تجربتهم فقط، بغض النظر عما يكتبونه، يقول رؤوف مسعد.. «حاولت جهدي أن لا أتاجر بفترة سجني ونشاطي السياسي، وآمل أن أكون قد أفلحت. لكن شخصا ما قضى فترة من السجن، لأنه اختار نشاطاً سياسياً ما عليه أن يستخدم هذه الفترة في إخفاء عيوبه الشخصية والإبداعية. صحيح لم نختر أن نُسجن، لكن كنا نعرف مخاطر نشاطنا السياسي. وبالتالي فإن المحصلة هي اختياراتنا المغامرة الجريئة، وعلينا أن نفتخر بها، لكن علينا أيضاً عدم استخدامها كتكئة». (راجع.. حواره في «القدس العربي»)
الرحيل
ونختتم ببعض عبارات كتبها مسعد قبل رحيلة مؤخرا بفترة قليلة على صفحته في فيسبوك، يقول .. «منحتني الطبيعة حرية الحركة، لكنها أيضاً وجّهت لي ضربتها في بصري، فلم أعد أرى سوى ظلال باهتة. وفي قلبي.
ومع ذلك، أنا ممتنٌ لها، فقد أبقت على عقلي وحماقاتي المحببة. لقد تمسكتُ بما أظنه فضائل قليلة، أهمها الصدق والمواجهة، واحترامي لحق الآخرين في الاختلاف معي. أستطيع الآن أن أردد مع أسلافي وهم يعبرون إلى الشاطئ الآخر اعترافاتهم:
إنني لم ألوّث النهر،
ولم أظلم الأرملة،
ولم أستول على حق اليتيم.
ومَن كُتبت عليه خطى مشاها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها».
(رؤوف مسعد بسطا)