في زمنٍ يضيق فيه الوقت وتتسارع فيه الصور حتى تكاد تسبق التفكير نفسه، وُلد شكل درامي جديد لا يشبه شيئا مما عرفناه من قبل: الدراما العمودية، أو كما يسميها الصناع اليوم Vertical Drama، وهي الابن الشرعي لعصر الشاشة المحمولة، وحفيدة الحضارة التي اختزلت الوجود البشري في مستطيل يلمع بين راحة اليد والإبهام. هذه الدراما ليست مجرد موجة عابرة، بل انعكاس عميق لتحول في الطريقة التي نحكي بها قصصنا، وفي الكيفية التي نعيش بها معنى الدراما نفسها.
ليس الفن انعزالا عن شروطه التقنية والاقتصادية، بل هو استجابة ذكية لتحولات الوسيط.
حين أصبحت الهواتف الذكية نافذة التصفح الأولى للعالم، تغيرت قواعد المشاهدة، وبدأ السؤال الكبير يلح: كيف يمكن صياغة الحكاية على شاشة صغيرة تعاش في زوايا المواصلات والمقاهي وصفوف الانتظار؟
من هذه اللحظة، وُلدت الفيرتيكال دراما كضرورة، لا كمصادفة.
بدأت الفكرة في شرق آسيا، تحديدا في الصين وكوريا الجنوبية، وبالذات كتيار في الصين بين 2018 و2023، مدفوعة بتحويل روايات الويب الشعبية -ولنا مقال قريبا عن تلك الروايات- إلى محتوى مصور للهاتف. حيث يتعامل الجمهور مع المشاهدة كفاصل قصير بين حدثين، لا كجلسة مسائية طويلة. هنا نشأت الدرامات الميكروية، مقاطع لا تتجاوز الدقيقة أو الدقيقتين، تُصور بشكل عمودي لتناسب الهاتف المحمول.
لكن ما بدأ كتجريب تقني سرعان ما تحول إلى موجة عالمية، فالولايات المتحدة التقطت الخيط سريعا، وأنشأت منصات متخصصة مثل ReelShort وDramaBox وNetShort، تعمل وفق مبدأ Freemium – أي مجاني مع خيارات مدفوعة. تُعرض الحلقات الأولى مجانا، ثم يُطلب من المشاهد دفع مبلغ صغير لفتح الحلقات التالية.
هنا يتحول التشويق من أداة فنية إلى أداة مالية: كل لحظة تعلق عاطفية تساوي دفعة مالية صغيرة.
هذا يعني أنّ المشاعر – الغضب، الرغبة، الخيانة – لم تعد فقط أدوات درامية، بل أصبحت عملات تداول في سوق الانتباه.
والنتيجة: صناعة بمليارات الدولارات، تجاوزت 4 مليارات عام 2024 ومن المتوقع أن تصل إلى أكثر من 8 مليارات بحلول 2031.
بين التقنية والفلسفة: من اتساع الشاشة إلى عمود الصورة
في السينما التقليدية، عُرفت الشاشة الأفقية كرمز للامتداد، للمشهد المفتوح الذي يحتوي العالم، أما الشاشة العمودية فهي نقيضها الميتافيزيقي؛ ضيقة، خانقة، تُرغم المخرج على التفكير في الكادر كنافذة على الذات أكثر مما هي على المكان.
حين تهيمن ثقافة Mobile-First – الهاتف أولا – على طريقة الإنسان في استهلاك المعرفة والترفيه، يصبح من الطبيعي أن تتبدل أشكال الحكاية.
فالمشاهد اليوم لا يجلس في أريكةٍ أمام التلفزيون، بل يلتقي القصة في أوقات الانتظار، في المواصلات، في الغرفة المظلمة قبل النوم. ولأنه يعيش في اقتصاد السرعة، كان لا بد أن يظهر شكل سردي يناسب هذه الومضات الزمنية المتقطعة.
من هنا وُلدت الدراما العمودية: حلقات قصيرة لا تتجاوز الدقيقة أو دقيقتين، مكتظة بالأحداث والانفعالات، مصممة خصيصا لتُشاهَد على شاشة الهاتف في الوضع العمودي.
لقد تحولت الشاشة هنا إلى جسد جديد للدراما: ممدود نحو الأعلى والأسفل، لا إلى اليمين واليسار. إنّها لغة مكان وزمان جديدين.
هنا تنقلب اللغة البصرية رأسا على عقب: لم تعد الكاميرا تلاحق الفضاء، بل تلاحق الوجه البشري. العدسة لم تعد تبحث عن المنظر الطبيعي بل عن العين المرتجفة، عن الدمعة، عن رعشة اليد. إنها دراما الانفعال المقرب، لا المشهد البانورامي.
الفيرتيكال ليست مجرد تغيير في الاتجاه، بل ثورة في الدلالة. حين تضيق الشاشة، تتكثف التجربة، ويصبح كل تفصيل ممكنا للرمزية القصوى. الوجه يتحول إلى ساحة معركة كاملة، والإضاءة إلى تعبير فلسفي عن ضيق الزمان والمكان.
إنها عودة إلى جوهر الدراما القديمة: الصراع الداخلي، الموقف الأخلاقي الضاغط، اللحظة الإنسانية التي لا تحتاج مسرحا واسعا لتشتعل.
الفيرتيكال دراما تُكتب بعقل مختلف. الكاتب لا يمتلك ترف الزمن، ولا فسحة الحوار، بل يتعامل مع القصة ككبسولة درامية مكثفة.
في هذا السياق، تتحول كل دقيقة إلى ذروة. الشخصية لا تُبنى تدريجيا، بل تُعرض مكتملة في لحظة، والحدث لا يمهد له، بل يُلقى مباشرة في قلب الصراع. هذه الدراما تعيد فن الكتابة القصصية إلى أصولها الأولى: الاقتصاد، المباشرة، والمفاجأة. فكل ثانية محسوبة، وكل جملة تلعب دورا وظيفيا لا تجميليا.
اللقطة الافتتاحية غالبا ما تكون صادمة أو غرائبية: أب ينقذ ابنته من مصاص دماء، وريثة غامضة تقع في حب سائقها، عروس تُكتشف أنها روبوت متكامل. هذه الحبكات المبالغ فيها ليست سذاجة، بل حيلة ذكية لجذب انتباه المشاهد المنهك المراقَب بخوارزميات «التمرير العمودي». الدراما العمودية تعرف جمهورها جيدا: إن لم تصدمه في الثواني الأولى، فسيغادر إلى الفيديو التالي.
يُبنى السيناريو وفق منحنيات احتفاظ زمنية محسوبة. يجب على الحكاية أن «تصطاد» المشاهد خلال الـ10 ثوان الأولى، وإلا فسيختفي بإيماءة إصبع.
كل دقيقة تحوي ذروة. كل سطر يحمل جملة صادمة أو تحولا عاطفيا مكثفا.
ولا توجد الدراما الهادئة في هذا العالم؛ كل شيء إما انفجار أو اعتراف أو قبلة أو صفعة. إنها دراما مبنية على الخوارزميات أكثر مما هي على الإلهام، ولذلك توصف بأنها الدراما التي تكتبها البيانات.
لكن في هذا القيد تكمن المفارقة: فكلما تقلص الزمن، ازدادت شهوة التعبير. الممثلون يعيدون اكتشاف قوة النظرة المقرّبة، والمخرجون يتعلمون اللعب بالحدود الضيقة لإنتاج صورة أكثر حميمية ونبضا.
من ينتقد الميكرو دراما بوصفها مبالغا فيها، ينسى طبيعة المشهد الرقمي نفسه. المبالغة هنا ليست خطأ، بل لغة ضرورية. الممثل مطالب بأن يختصر الانفعال كله في بضع ثوان، وأن يُعبر بعينيه عما كانت الدراما التقليدية تحتاج خمس مشاهد لبلوغه.
تُصور هذه الأعمال بسرعة مذهلة؛ مشروع درامي كامل قد يُنجز في أسبوع إنتاجي واحد، بعدد لقطات لا يتجاوز ثلاث أو خمس محاولات للمشهد الواحد.
إنها حرفيا دراما «اللحظة» لا مجال فيها للمراجعة أو الارتجال الطويل.
وهنا نلمس الجانب الفلسفي الأعمق: الفيرتيكال ليست فقط تكثيفا للحكاية، بل تكثيف للحياة نفسها. الإنسان الرقمي لم يعد يملك زمن التدرج، بل يعيش في لحظات متتابعة من الذروة، كأنه عالق في مونتاج دائم لا نهاية له.
نموذج العمل في هذه الصناعة بسيط لكنه عبقري. الحلقات الأولى مجانية، ثم يُطلب من المشاهد شراء الحلقات التالية داخل التطبيق.
هكذا تحول الزمن إلى سلعة مُقسطة.
وراء هذا النظام اقتصاد كامل يعمل في صمت: مئات الكتاب والمخرجين والممثلين الشباب الذين يجدون في هذا النموذج فرصة للظهور السريع، ومختبرا للذكاء الاصطناعي الذي يُستخدم اليوم في اقتراح حبكات، وصياغة حوارات مكثفة، بل وحتى في تنفيذ المونتاج التلقائي.
هكذا، تولد سينما جديدة بلا استوديوهات ضخمة ولا نجوم كبار. يكفي كاميرا ذكية، وإضاءة جيدة، وفكرة تستفز خوارزمية تطبيق واحد لتصبح «الترند» العالمي التالي.
من زاوية فلسفية، يمكن النظر إلى الفيرتيكال دراما كتجسيد لفلسفة ما بعد الحداثة في أقصى تجلياتها.
فالعالم الذي اختصر الحقيقة إلى شاشة، اختصر السرد أيضا إلى لحظة.
إنها دراما ما بعد السرد الكبير، دراما الشظايا والسرعة، دراما الاستهلاك المكثف للحقيقة.
الفيرتيكال دراما لا تسعى إلى تقديم رؤية متماسكة عن الإنسان، بل تقطع الحكاية إلى ومضات تشبه تدفق الذاكرة الرقمية.
كل مشهد يكفي ذاته، وكل انفعال معزول يخلق اكتفاءً مؤقتا.
هكذا تُحاكي الدراما الجديدة فلسفة «التشظّي» و«الزمن المقتطع» التي تحكم وعينا في العصر الشبكي.
وربما لذلك تبدو أعمالها متشابهة في موضوعاتها، مهما اختلفت طرائق إنتاجها؛ فهي تتغذى من المخزون العاطفي نفسه الذي يحرك الثقافة الرقمية: الإثارة، الغموض،
الرغبة، المفاجأة، والاندحار السريع نحو اللقطة التالية.
الانقسام قائم. بعض النقاد يرون فيها انحدارا سرديا، وتفريغا للدراما من معانيها العميقة لصالح المتعة الفورية. آخرون يرونها مشروعا تحرريا، إذ كسرت احتكار المؤسسات الكبرى وأعادت الفن إلى تفاعليته الأصلية: حكايات قصيرة، يشاركها الناس ويعيدون إنتاجها على الفور.
لكن الحقيقة ربما أكثر تعقيدا.
الفيرتيكال دراما لا تلغي الدراما الطويلة، بل توازيها، وتعبر عن زمنها. تماما كما لم يُلغ ظهور السينما المسرح، ولا التلفزيون السينما. إنها تحول جديد في اللغة، لا في الجوهر.
ما تغير هو الوسيط، ومعه شكل التلقي، وإيقاع الحياة، وطبيعة الزمن. وكلما تقلص الوقت وتكثفت الشاشة، ازداد الإنسان توقا للمعنى.
ربما يجد هذا المعنى في مشهد صغير، عمودي، لكنه يعيده إلى ذاته.
على رغم محلية بعض القصص الآسيوية أو الأميركية، إلا أن الفيرتيكال دراما امتلكت ملمحا عالميا لافتا. فالثيمات التي تشتغل عليها -الحب، الخوف، الصراع الطبقي، الطموح، السلطة، الفقد- هي موضوعات إنسانية كلية.
وما يمنحها سحرا خاصا أنها تُقدم في شكل بسيط، يكاد يخاطب الغريزة العاطفية الأولى في الإنسان. يمكن لمشاهد في القاهرة أو طوكيو أو مكسيكو سيتي أن يتفاعل مع قصة عاطفية تمتد دقيقة ونصف لأن ما تحمله هو خلاصة التجربة البشرية في أنقى صورها.
بهذا المعنى، تُعيد الفيرتيكال دراما الفن إلى إنسانيته البدائية: إلى لحظة الحكاية السريعة حول النار، حين كان البشر يختصرون العالم في جملة مشتعلة من الخيال.
ما يحدث اليوم في لوس أنجلوس وبكين ليس طفرة إعلامية فحسب، بل ولادة نوع جديد من السينما: سينما الجيب.
هي السينما التي تُشاهد باليد، وتتفاعل مع الإبهام، وتُكتب بحروف تختزل الفكرة إلى شرارة.
إنها الشكل الفني الذي ينسجم تماما مع بشريتنا المرهقة، التي لم تعد قادرة على الانتظار، لكنها ما زالت متعطشة للعاطفة والمعنى.
ليست الفيرتيكال دراما نهاية الدراما، بل تجربة فلسفية تقول: ماذا لو أعدنا تعريف القصة لتناسب إيقاع الإنسان الجديد؟
مسلسل Reborn 2025 الصيني نموذجا
يعد هذا المسلسل معبرا عن النجاح الحديث للدراما الصينية، خصوصا في صيغتها القصيرة العمودية الموجهة للجمهور الرقمي حول العالم. هذا العمل جمع بين قوة السرد الاجتماعي، والحس الواقعي الإنساني، ومهارة التنفيذ الفني، ليحقق حضورا لافتا محليا وعالميا منذ انطلاقه في يونيو 2025.
تدور أحداث «Reborn 2025» حول فتاة مراهقة (الممثلة تشانج)، انتقلت مع عائلتها من مقاطعة صغيرة إلى مدينة كبيرة هربا من ماض مليء بالألم والوصمة الاجتماعية. تدفعها شائعات عن شقيقتها الكبرى -التي يقال إنها عاشت حياة منفلتة وتوفيت بمرض الإيدز- للبحث في تفاصيل الحقيقة، لتكتشف أسرارا أعمق تهز عالمها وتفتح بابا على قضايا المجتمع الصيني المعاصر: تجارب النساء، الوصمة، والاختيارات العاطفية تحت ضغط التقاليد والصراعات الحضرية.
المسلسل مأخوذ عن رواية إنترنت شهيرة «هوان يو» للكاتبة تشيان يو، ما منح النص قاعدة جماهيرية أولية ونكهة تفاعلية تلائم عقلية جمهور المنصات، كما عزز من إمكانية نجاحه في شكل الفيرتيكال دراما المستقى من نمط القراءة الرقمية.
يكون السرد العمودي مكثف: عدد الحلقات يقارب 20 حلقة قصيرة، كل حلقة تجمع بين التشويق والطرح الاجتماعي، وتنقل الأحداث بسرعة وإيجاز لتناسب الجمهور العصري وزمن المشاهدة القصير.
القضايا المطروحة بجرأة واقعية: العمل يكسر القوالب النمطية في تصوير النساء والمراهقات، ويناقش علنا قضايا المعاناة النفسية والوصمة.
التشويق والعاطفة: كل حلقة تنتهي بذروة مفاجئة أو كشف جديد، ما يخدم نموذج الاحتفاظ السردي، ويحفز دفع الجمهور للحلقات المدفوعة عبر المنصات.
الانتشار العالمي عبر الترجمة: وأتيح المسلسل بخمس لغات أسهم في انتشاره وحصوله على تقييم مرتفع
كيف يجسد “Reborn 2025” مواصفات الفيرتيكال دراما الناجحة؟
الحبكة المشحونة بالتوتر الشخصي والاجتماعي، واستخدام عناصر الميلودراما والمفاجآت الفورية في كل حلقة.
سرعة الإيقاع: لا مكان للحشو أو الإطالة. التتابع السردي يخدم اقتصاد الانتباه، والحلقات تضمن الذروة والتشويق.
توظيف الكادر العمودي: التركيز منصب على تعبيرات الوجوه والصدامات المباشرة، بما يعمق حس الحميمية بين الشخصية والجمهور.
التفاعل عبر المنصات: بُني المسلسل على حكاية متسلسلة تتناسب مع نموذج استهلاك المشاهدة الرقمية، ودعمته المنصات بترجمة وانتشار واسع يخلق قاعدة جماهيرية متفاعلة تجسد جوهر الفيرتيكال دراما.
بهذا الانتقال السردي والتقني، يبرز «Reborn 2025» دراسة واقعية لمسلسل قصير عمودي نجح في بث روح جديدة بالدراما الاجتماعية الصينية الحديثة، ويصبح مثالا مرجعيا لما يُمكن أن تحققه الفيرتيكال دراما حين تلتقي المعالجة الجريئة بالنموذج التقني الفعال.
ربما تلخص الفيرتيكال دراما التحول الوجودي الأعمق للعصر الرقمي: إنسان يعيش بشكل عمودي، بين ارتفاع الطموح وانحدار المعنى، بين التسطح الفوري والرغبة الدائمة في العمق.
هي مرآة لقلقنا، لطريقتنا في استهلاك الحياة كفيديوهات قصيرة، ولحاجتنا لأن نُروى ولو في أقل مساحة ممكنة.
ليست الفيرتيكال دراما مجرد صورة عمودية، بل فلسفة كاملة تقول إن العالم كله يمكن أن يُعاد تمثيله في دقيقة، وإن الحكاية مهما تقلصت تظل قادرة على أن تضيء أكثر المناطق عتمة فينا.