يساعد عنق الزرافة الطويل على الوصول إلى أوراق الأكاسيا الطرية في أعالي الأشجار الإفريقية، مما يمنحها مصدرا غذائيا لا تشاركه فيه الثدييات الأخرى التي تتغذى على النباتات القريبة من الأرض.

لكن هذه الميزة التطورية تأتي بتكلفة باهظة: إذ يتعين على قلب الزرافة توليد ضغط دمٍ هائل لضخ الدم لمسافة تتجاوز مترين نحو الرأس.

يبلغ ضغط الدم لدى الزرافة البالغة أكثر من 200 ملم زئبق، أي أكثر من ضعف ضغط الدم لدى معظم الثدييات، مما يجعل قلبها يعمل بطاقة تفوق قلب أي حيوان آخر من نفس الحجم.

 القلب القوي له مساعدين خفيين

في دراسة جديدة نُشرت في مجلة علم الأحياء التجريبي (Journal of Experimental Biology)، اكتشف الباحثان روجر سيمور من جامعة أديلايد وإدوارد سنيلينغ من جامعة بريتوريا أن الزرافة لا تعتمد على قلبها فقط في معركة الجاذبية، بل تستفيد من أرجلها الطويلة أيضا لتقليل الجهد المطلوب لضخ الدم إلى الرأس.

 محاكاة تكشف الدور الحقيقي للأرجل الطويلة

أرجل الزرافة الطويلة ( مصدر الصورة: Getty Images )

قام العالمان بمحاكاة مقارنة بين زرافة طبيعية وحيوان افتراضي أطلقا عليه اسم “إيلاف” (Elaffe) — وهو مزيج خيالي من جسم حيوان الإيل الإفريقي وعنق زرافة طويل.

أظهرت النتائج أن هذا الحيوان الافتراضي سيستهلك 21٪ من طاقته الإجمالية فقط لتشغيل قلبه، مقارنةً بـ 16٪ لدى الزرافة و6.7٪ لدى الإنسان.

بفضل أرجلها الطويلة التي ترفع قلبها أقرب إلى الرأس، توفر الزرافة نحو 5٪ من طاقتها الغذائية اليومية.

على مدار عام كامل، تعادل هذه الوفرة أكثر من 1.5 طن من الطعام، وهي كمية كفيلة بترجيح كفة البقاء في بيئة السافانا القاحلة.

 الأرجل الطويلة جاءت قبل العنق الطويل

في كتابه كيف تعمل الزرافات، يوضح عالم الحيوان غراهام ميتشل أن أسلاف الزرافة امتلكوا أرجلًا طويلة قبل أن تتطور أعناقهم الطويلة.

من منظور الطاقة، يبدو هذا منطقيا: الأرجل الطويلة تقلل جهد القلب، بينما العنق الطويل يزيد العبء عليه.

لكن لهذا التطور ثمن آخر، إذ تضطر الزرافة إلى فرد ساقيها الأماميتين بشدة عند الشرب، مما يجعلها بطيئة ومعرضة للخطر إذا هاجمها مفترس أثناء ذلك.

تشير الإحصاءات إلى أن الزرافات أكثر الحيوانات عرضة لمغادرة مصدر المياه دون أن تشرب بسبب وضعها الحرج أثناء الانحناء.

 إلى أي مدى يمكن أن يكون العنق طويلا؟

يزداد استهلاك القلب للطاقة كلما طال العنق، لذا هناك حد فيزيولوجي للطول الممكن.

على سبيل المثال، يبلغ طول عنق ديناصور الجيرافاتيتان (Giraffatitan) نحو 8.5 أمتار، ما كان سيتطلب ضغط دمٍ يناهز 770 ملم زئبق، أي نحو ثمانية أضعاف المتوسط لدى الثدييات.

هذا الضغط غير واقعي، إذ إن الطاقة اللازمة لضخ الدم كانت ستفوق الطاقة اللازمة لتشغيل باقي الجسم بالكامل.

ويُرجّح العلماء أن هذه الديناصورات لم تكن قادرة على رفع رؤوسها بالكامل دون أن تفقد وعيها، ما يعني أن الزرافة الحديثة ربما تمثل الحد الأقصى الذي يمكن لأي حيوان بري بلوغه في الطول.