
أخيراً، قرر الشاعر اللبناني طلال حيدر أن يبوح بحقيقة قصيدة «وحدن» لميشيل تويني وحدها، ولأول مرة كما قال، في برنامجها «بيت الشاعر» في حلقة مسجلة في منزله في بعلبك.
قال حيدر»: أغنية وحدن طلع عليها أساطير، أنه فدائيين مارقين.. كل القصة؛ الحقيقة قبل العمل الفدائي. قرأت قصة «الأم» لمكسيم غوركي، وكان
يتحدث وهو ينظر عبر غبش الزجاج، وهناك سماور شاي، والدني عم تشتي استوحيت منها «متل الشتي يدقوا على بوابي»، كتبتها أول زواجي والشتي عم يدق على قزاز بيتي، وتذكرت مكسيم غوركي، وتذكرت القزاز. تحت الشتي حطيت قلم وورقة بصدري، مرتي ظنت أن عندي عشيقة، لحقتني بالسر، طلعت أنا تحت الشتي إلى راس العين ببعلبك، قعدت أكتبها وهي تراقبني من بعيد ناطرة أيا بنت بدها تيجي، طلعت البنت القصيدة،.. هاي هي القصة أول مرة بحكيها لأنك ميشيل».
أكذوبة عابرة للأجيال
ما يقوله طلال حيدر معروف للجميع تقريباً، ففي حلقة بثتها «الجزيرة» منذ سنوات لحكاية الأغنية وثّق الباحثان صقر أبو فخر ومحمود الزيباوي كذب رواية حيدر، حيث القصيدة كانت قد نشرت حتى قبل ظهور العمل الفدائي في لبنان أصلاً، عندما احتضنتها صفحات الملحق الثقافي لجريدة «النهار» اللبنانية، يوم الأحد 16 تشرين الأول 1966. أي قبل العملية التي راج أن الشاعر اللبناني كتبها من أجلها. وكانت عملية كريات شمونا المسجلة باسم أحد الفصائل الفلسطينية العام 1974. وفي حلقة «الجزيرة» نفسها أكد حيدر روايته نفسها، التي حفظتها عنه أجيال من الرومانسيين المغرمين بخلفية القصيدة أكثر من القصيدة نفسها، فبحسب رواية الشاعر أنه كان يجلس على شرفته ويشهد كل ليلة شباناً يلقون عليه يتوجهون جنوباً، إلى أن جاء يوم ألقوا عليه التحية، لكنهم لم يعودوا، إلى أن قرأ أخبارهم في الصحف، فعرف أنهم أولئك الذين كانوا يعبرون تحت شرفته. فكتب «وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان»..
عندما تعود إلى حلقة «الجزيرة» تدهشك الثقة التي يروي بها الشاعر أكذوبته العابرة للأجيال، وتسأل إن كان مضطراً لاختراع أسطورة لأغنية محبوبة كان لها حظ أن يلحنها زياد الرحباني وتغنيها فيروز في واحدة من أجمل أغنياتها.
الشاعر الكونيّ
في إطلالته الجديدة يقول حيدر عن علاقته بالشاعر الراحل محمود درويش إنه كان ينصحه بالتخلي عن القضية الفلسطينية، والذهاب إلى «الكونيّ»، وأن درويش أجابه حينها بأنه ليس طلال حيدر ليفعل ذلك. كان ذلك في الوقت الذي ينسج فيه حيدر أسطورة كاذبة لينسب قصيدته إلى القضية، ولم تكن لتحتاج إلى أي مجد سوى جمالها.
ليس واضحاً بالفعل إن كان الشاعر في اعترافه الجديد أراد أن يتوخى الصدق، لأنه يعيش لحظة الحقيقة في مواجهة أزمة العمر واحتمالات الغياب، أم لأن حقيقة القصيدة باتت من الوضوح الذي يستحيل معه الاستمرار بالكذب.
يعود طلال حيدر في روايته الجديدة إلى طفولته، ولداً على مقاعد الدرس في الأول الابتدائي، والدنيا ثلج، يقول إنه سمع صوت ذئب، وكانت الذئاب تأتي من الجبل إلى بعلبك. وفيما هو سارح بصوت الذئب تأتيه صفعة المعلم، إذ كان يسأله فيما هو في مطرح آخر، على ما يقول. هكذا جاءت «وحدن»، يقول إن الصعفة لم توجعه، بل جاءت له بـ «صرّخ عليهن بالشتي يا ديب».
لا ندري الآن إن كان بالإمكان تصديق روايته الجديدة، ولماذا علينا أن نصدقها ما دامت نفس الشاعر سولت له خداع أجيال وأزمان!
«مجنون رمى حجرًا في بئر، مئة عاقل ما قدروا يطلعوه.، يقول المثل الشعبي المعروف، فما بالك إن كان شاعر هو من ألقى ذلك الحجر، وظل يلقي به مراراً على مدى عقود!
لولا «الجزيرة»!
يخترع الشاعر أسطورته فتروح الصحف تسطّر مانشيتاتها ساطعة: «لماذا غنت فيروز لهؤلاء الشبان الثلاثة؟»، وربما هناك من وضع أطاريح جديدة تتحدث عن نمط جديد من الأغنية السياسية غير تلك السائدة في تلك الأزمان، والله أعلم إلى أين كنا سنصل لولا حلقة «الجزيرة» تلك.
لسنا متأكدين تماماً من أن هذه هي الأسطورة الوحيدة التي نسجها طلال حيدر من وحي خياله، وبنات أفكاره، فما دام تجرأ على اختراع بهذا الحجم، سيصبح كل كلام آخر محل شك.
وما دمنا في إطار التجربة الرحبانية، فلربما هذه التجربة بالذات، وهي العابرة للأجيال، وقدمت عدداً كبيراً من المسرحيات والأفلام والأغاني، كما احتضنت عدداً كبيراً من المشتغلين فيها من جنسيات وأقطار عديدة، ولأنها كانت تجارب لامعة ومؤثرة في معظمها فقد سمح كثيرون لأنفسهم بنسبة قصائد وأشعار وقصص وأساطير، ومع أن الضوء كان دائماً مصوباً نحو التجربة إلا أن ذلك لم يكن كافياً لتوثيق أدق يحميها من المتطفلين، ولربما ساعد تواضع المبدعين الرحبانيين في مدّ الحبل لهؤلاء.
من بينها كيف أن الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد كان نسب لنفسه أغنية «سنرجع يوماً»، ورغم أنه قد بات واضحاً للغاية أنه لا تمت إليه بصلة، وأنها اختراع رحباني خالص، ستجد إلى اليوم من ينسبها إلى هاشم رشيد، فالأمر الذي رسخته عقود من الكذب ليس من السهل دحضه.
كلما جاءت سيرة الشعر والمسافة بين الحقيقة والخيال سيسارع الجميع إلى القول «أعذبُ الشعر أكذبُه»، والإبداع كله خيال في خيال، وعيش في عوالم ليست على الأرض، وإن كانت تبدأ منها، وغالباً ما تعود إليها، غير أن هذا القول يتعلق بالشعر، لا الشاعر، فلربما عنّ على بال الكثيرين الآن أن يسوغوا للشاعر ما لا يمكن تسويغه لسواه!
* كاتب من أسرة «القدس العربي»
