في قلب معبد الكرنك، وتحديدًا عند منطقة البيلون العاشر، تتقدّم البعثة الإسبانية–المصرية بخطى ثابتة نحو فكّ شفرة واحد من أعظم الشواهد الحجرية في تاريخ البشرية: أكبر تمثال كولوسوس معروف للفرعون أمنحتب الثالث. هنا، بين كتل الجرانيت الرمادي الملقاة مثل أطراف عملاقٍ نائم، يعمل علماء الآثار على إعادة قراءة ما تبقّى من هذا الصرح الهائل الذي كان يعلو المشهد الطقسي للأقصر قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.

أعداد هائلة من أحجار الجرانيت والقطع الأثرية متناثرة بمعبد الكرنك

تتجاوز المهمة مجرد دراسة أثر؛ إنها محاولة لاستعادة ملامح ملكٍ حكم عصر الازدهار الذهبي لمصر القديمة. تجمع البعثة بدقّة القطع المبعثرة عبر مساحة واسعة، وتفحص الشقوق والبقايا والمخلفات الدقيقة التي قد تكشف عن طريقة النحت، وطقوس التشييد، والأسباب التي أدت إلى انهيار التمثال عبر الزمن. هذه المرحلة العلمية ليست سوى مقدمة لعملية ترميم كبرى تهدف إلى إعادة التمثال إلى وضعٍ يسمح بفهم هيئته الأصلية، وربما – في المستقبل – إعادة تجميعه ليقف من جديد شاهداً على عبقرية المصريين القدماء.

يد تمثال الملك أمنحتب الثالث الذي تعمل البعثة على إعداد مخطط لإعادة تصور الهيئة الأصلية للتمثالعودة الاهتمام بتمثال ملك “العصر الذهبي”

يمثّل أمنحتب الثالث أحد أبرز حكّام الدولة الحديثة، إذ شهد عصره قمة الازدهار الفني والدبلوماسي، وترك خلفه عدداً هائلاً من التماثيل الضخمة والمباني المعمارية الفريدة. ويُرجّح أن التمثال الذي تعمل عليه البعثة حالياً كان يصل ارتفاعه إلى أكثر من عشرين متراً، ليكون أكبر كولوسوس معروف داخل مجمع معابد الكرنك، حيث كان يشكّل جزءاً من مخطط معماري ضخم يبرز مكانة الملك الدينية والسياسية.

أطراف أقدام تمثال أمنحتب الثالثبعثة مشتركة بين القاهرة ومدريد

تعمل البعثة تحت إشراف وزارة السياحة والآثار المصرية وبقيادة فريق من جامعة قرطبة الإسبانية، وتحديداً مجموعة ORIENS البحثية المتخصصة في الدراسات المصرية القديمة. ويجمع المشروع خبراء في الترميم، والجيولوجيا، والمسح ثلاثي الأبعاد، والهندسة الإنشائية، في محاولة لفهم الحالة الحالية للتمثال قبل بدء أي تدخل مباشر.

البعثة تعمل على تجميع القطع المتناثرة للتمثال ودراستها للوصول إلى التصور النهائي لشكل التمثال

وتُعد هذه أول مهمة إسبانية ذات نطاق بحثي واسع داخل البيلون العاشر، وهو أحد أكثر مناطق الكرنك تعقيداً نظراً لتراكم طبقات أثرية وترميمات سابقة تمت عبر قرون طويلة.

عملية شديدة التعقيد نظرًا لضخامة القطع الحجرية المُكوّنة للتمثال، والتي يصل عددها إلى آلاف القطع المتناثرةتوثيق شامل قبل مرحلة الترميم

تركّز المرحلة الحالية من المشروع على التوثيق العلمي المكثّف:
•إعادة تسجيل كل كتلة حجرية من التمثال وبقاياه.
•إجراء مسح ثلاثي الأبعاد عالي الدقة لرصد الشقوق والفجوات.
•فحص القاعدة التي يستند إليها التمثال وتحديد مدى استقرارها.
•دراسة التشققات الناتجة عن الزمن والزلازل والفيضانات القديمة.

البعثة أثناء التنقيب عن قطع التمثال داخل المعبد

وتؤكد البعثة أن هذه المرحلة، رغم بطئها، هي الأهم لنجاح عمليات التجميع المستقبلية، إذ تمنح الباحثين صورة دقيقة عن وزن كل كتلة واتجاهها ووظيفتها في بنية التمثال الأصلية.

دراسة كل قطعة على حدىمشروع يوازن بين العلم والفن

يتّبع المشروع أسلوباً بصرياً معاصراً في نشر مستجداته، حيث توظّف البعثة صوراً فوتوغرافية واسعة للكتل المتناثرة ضمن السياق الطبيعي للموقع، مصحوبة أحياناً باقتباسات أدبية تشير إلى “الجمال الذي ينمو بين الشقوق”، في إشارة مباشرة إلى المهمة العلمية التي تركز على دراسة fissures والكسور الدقيقة داخل الأحجار.

من التاريخ – صورة لطفل مصري جالس أمام يد تمثال الملك أمنحتب الثالث

هذا المزج بين الطابع البحثي والتناول الجمالي يعكس مدرسة أوروبية حديثة في التعامل مع التراث باعتباره عملاً فنياً ينبغي توثيقه بروح شعرية، دون الانفصال عن صرامته العلمية.

تنطلق البعثة يوميًا مع بزوغ الصباح لتبدأ مهمتها الدقيقة في لملمة شتات التاريخإحياء فخر معماري من عهد الملك الذي “حوّل القوة إلى حجر”

تكشف الدراسات الأولية أن التمثال، عند اكتماله، كان ينتمي إلى نفس الفلسفة الفنية التي ظهرت في تماثيل أمنحتب الثالث في الضفة الغربية، مثل تمثالي ممنون الشهيرين، والتي جسّدت الملك في هيئة جبّارة تؤكد قوته وسطوعه الإلهي أثناء حياته.

تمثالا ممنون في الأقصر للملك أمنحتب الثالث، الفرعون الذي عُرف بشغفه بإقامة التماثيل الحجرية العملاقة

ويأمل الباحثون أن يتيح المشروع إعادة قراءة الفترة المعمارية لأمنحتب الثالث في الكرنك، بعدما كانت معظم أعماله قد تهدمت وتفرّقت أحجارها عبر آلاف السنين.

تمثال الملك أمنحتب الثالث وزوجته الملكة تي داخل المتحف المصري بالتحرير، وتمثال بهذا الحجم الهائل جعل القائمين على المشروع آنذاك يضعونه في موقعه أولًا قبل الشروع في بناء المتحفخطوة أولى نحو إعادة التجميع

رغم أن المشروع لم يدخل بعد مرحلة الترميم الفعلي، إلا أن النتائج الأولية تمهّد لبرنامج ضخم يستهدف رفع بعض الكتل، وتقييم قدرتها على التحمل، وإعادة تركيب أجزاء مختارة من التمثال بما يحافظ على أصالته التاريخية. ولم تُعلن البعثة حتى الآن عن جدول زمني نهائي، غير أن مصادر في المشروع ترجّح أن تمتد أعمال الدراسة الميدانية لعدة مواسم إضافية قبل الشروع في أي عمليات إعادة بناء جزئية.

تفاصيل من بقايا تمثال الملك أمنحتب الثالثرسالة مصر إلى العالم

تأتي هذه الجهود ضمن سياسة مصر الحالية لإحياء مواقعها الكبرى داخل طيبة القديمة، وإعادة دمجها في المسار السياحي العالمي، بما يضمن جذب المزيد من الزوار وتعزيز الصناعات الثقافية والتراثية في الأقصر.

تصور ثلاثي الأبعاد لمعبد الملك أمنحتب الثالث في طيبة الأقصر في هيئته الأصلية

ويمثّل مشروع دراسة تمثال أمنحتب الثالث خطوة جديدة تؤكد الدور الذي تلعبه الشراكات الدولية في دعم حماية التراث المصري، وإعادة اكتشاف أعمال معمارية كادت تختفي تحت الزمن، ليعود أعظم ملوك مصر إلى الضوء من جديد — حجراً بعد حجر.

شعار المشروع الجديد

نسخ الرابط
تم نسخ الرابط