الدوحة – “القدس العربي”:

تحوّلت قاعة المؤتمر في مهرجان الدوحة السينمائي 2025 إلى مساحة تختلط فيها الدموع بالصمت الثقيل، حين اجتمع صنّاع فيلم «صوت هند رجب» مع الأبطال الحقيقيين من طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني، في لحظة إنسانية بدت أقرب إلى وقفة حداد منها إلى إحاطة إعلامية.

الفيلم، الذي افتتح فعاليات المهرجان قبل يوم واحد، أعاد إحياء قضية هند رجب، الطفلة الفلسطينية التي وجدت نفسها عالقة داخل سيارة وسط نيران الحرب، لتصبح قصتها رمزًا لنداء إنساني يرفض أن يُطوى.

سينما مقاومة للنسيان

المخرجة التونسية كوثر بن هنية، الحائزة على عدة جوائز دولية، قدّمت عملها باعتباره محاولة لصون الذاكرة لا لتفسير الأحداث. وقالت لـ”القدس العربي” إن الفيلم ليس شرحًا، بل مساحة لصنع التعاطف، مؤكدة أن السينما تمتلك قدرة نادرة على إعادة تشكيل الوعي العام.

وأوضحت بن هنية أن بناء السرد داخل غرفة عمليات الهلال الأحمر الفلسطيني كان خيارًا مقصودًا «لأنه الإطار الأكثر صدقًا، ولأن الواقع كان أشد قسوة من أي خيال». وكشفت أن استخدام التسجيل الحقيقي لنداء هند لم يكن قرارًا فنيًا فقط، بل «مسؤولية أخلاقية»، معتبرة أن صوت الطفلة «بقي حيًا، وهو قلب الفيلم وروحه».

أبطال حقيقيون وشهادة موجعة

حضر المؤتمر عدد من العاملين في الهلال الأحمر الفلسطيني، الذين عاشوا الواقعة لحظة بلحظة، وفي مقدمتهم: د. يونس الخطيب، رئيس الجمعية، خالد أبو غوش، المدير العام، نسرين جريس عيد، رنا فقيه، عمر أحمد الققم، مهدي جمال، محمد عيّاد، نبال فرسخ.

الشهادات التي قدموها حملت رسائل إنسانية أكثر من كونها مداخلات تقنية. تحدّث عمر الققم عن العبء النفسي الذي خلّفته الحادثة، مشيرًا إلى أن نداء طفلة تستغيث «يحرك شيئًا في أعماق الإنسان»، وأن صوت هند «يجب أن يصل إلى العالم».

من جانبه، أكد طاقم الهلال الأحمر أن تصاعد الحرب أدى إلى فقدان عدد من المسعفين وتضرر العديد من مركبات الإسعاف، مشددين على أن مهمتهم «البقاء صوتًا لمن لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم».

الفن كأرشيف للذاكرة الفلسطينية

الممثلون المشاركون في الفيلم، عامر حليحل، معتز ملحس، كلارا خوري، سجى كلاني، عبّروا عن فخرهم بتجسيد أدوار مستمدة من شجاعة حقيقية. وأشار ملحس إلى أن دوره في الفيلم كان «أكثر التجارب تأثيرًا» خلال 16 عامًا من العمل المسرحي والسينمائي.

وقال المنتج الفرنسي نديم شيكوراه  لـ”القدس العربي” إن الفيلم حظي بجهود إنتاجية دولية جاءت لتعزيز صدى صوت هند وليس من باب التمويل فقط. وكشف أن أسماء عالمية انضمت كمنتجين تنفيذيين «لتوسيع نطاق تأثير الفيلم».

الدوحة.. منصة دولية لرسائل غزة

اختيار «صوت هند رجب» ليكون فيلم افتتاح مهرجان الدوحة السينمائي هذا العام بدا بمثابة رسالة بحد ذاته، تلقي الضوء على ثقل الحكاية وقيمتها الإنسانية. فالمهرجان، عبر هذا الافتتاح، لم يكتفِ بعرض فيلم، بل قدّم فعلًا من أفعال التذكّر والتوثيق، مؤكدًا أن الألم الفلسطيني ليس مادة خبرية عابرة، بل رواية مفتوحة تتجدّد كل يوم.

ويُعد الفيلم اليوم إحدى أهم المحاولات الفنية لحفظ ذاكرة هند، وحفظ أصوات المسعفين الذين حاولوا الوصول إليها، والذين يمثلون بدورهم آلاف العاملين الإنسانيين الذين يواصلون أداء واجبهم في ظروف تتجاوز حدود الاحتمال.

بهذا الافتتاح، بدا أن الدوحة أرادت أن تقول: ثمة أصوات لا يجوز أن تُنسى… وهند إحداها.