المثنى الشيخ عطية

لم تتوقف، ولا يبدو أنها ستفعل ذلك، البنيةُ ومرافِقتُها منظومةُ السرد في الرواية عن إنباضها بما يدهش القراء، ويغرس موضوعات الرواية بذوراً لا تتوقف عن النبض والتفتّق والنمو في قلوبهم وخلايا ذاكراتهم ومسنّنات محرّكات إبداعاتهم. ولن تكفّا كما يبدو من أن تصيرا أشجاراً راسخة الجذور ممتدّةً في أرض شغفهم، عندما تجترحان طرقاً وحلولاً وأساليب مبتكَرةً في التكوين المتشابك بطبيعية لا مجال فيها لجليد البلاستيكية والإقحام.
ولا يبدو أن القرّاء في المقابل، والنساءَ بشكل خاص، سيتوقفون عن تلقّي وارتشاف وامتصاص ماء بنية ومنظومة سرد رواية اللبنانية بسمة الخطيب المزوّدة ببذور الهندباء: «حائكات الأزل»، التي سوف يشعرون خلال ارتشافها، ولا بأس مع «قهوة الشيكوريه»، أنّهم أبطالُها، وأن قصصهم، التي سوف يحوكونها ليغيّروا واقعاتهم بـ«نهاية الواقع» المعطى لهم، يمكن لها أن تفعل فعلها في تشافيهم من الجروحات والصدمات التي لا يسلم منها بشريٌّ وغير بشريٍّ إلى جانب الخذلان. وذلك بفعل ما حاك تاريخ الكهنوت التوحيدي القاهر للنساء من نسيج أوهامٍ، وما عَقَد من عقدٍ نفسية في قفا نسيجه، تُظهرها أوضح فأوضح الشبكةُ العنكبوتية التي صنعوها ليعرفوا، وعلِقوا بها ليبحثوا في آخر ابتكارات ذكائها الاصطناعيّ عن منافذِ خروجهم منها بها.

أسرار حياكة الدهشة:

تسير بنية حائكاتِ أزل الخطيب، التي حاكتها بحرفيةٍ وتجربةٍ وإرشاداتِ كتبٍ وعارفين شكرتْهم في نهاية تكوينها؛ في مجرى زمنين متعاكسين، ماضٍ وحاضرٍ يجريان باتجاه بعضهما لإلغاء بعضهما في واحدٍ تمثّله شخصية «المرأة الغريبة/ القريبة» التي تعمل مع نسيجها المُودَع بشخصيات الرواية ثيمةً تنظّم أنساق الرواية، بكسرٍ كمومي لاستقامة الزمن، يلتقي فيه الماضي والحاضر والمستقبل في لحظةٍ واحدةٍ هي لحظة «الرواية داخل القارئ»، حيث يخلق وعيه بلا وعيه، واقعَه المختار من تشابك واقعاته.
ويلخِّص هذا بصورة أوضح الفصلُ الأخير التاسع عشر الذي يأتي بعد توقيعين أو موجتين أو فصلين يتردّدان على رمل الشاطئ تسع مرات أو فصول، يبدأ الأول منها القادم من زمنه بنهاية الثاني الذاهب إليه، حتى التقائهما في الموجة أو الفصل التاسع عشر الذي يوحّدهما، ويعبّر عن جوهر الثيمة، وعن التشابك بكمومية الاحتمالات في الرواية، حيث: «هزّت ندى رأسها وقالت: «ألن تقولي لي ما اسمك»؟/ «اسمي مكتوب في هذا الرداء، أسمائي، أسماؤنا… لا أعرف كيف أخبرك…/ كل الاحتمالات صحيحة».
وحيث تتكشف شخصية المرأة الغريبة القريبة/ الثيمة، صاحبة الأمانة بارتدائها الدثار الذي وضعته عليها ندى والذي: «بات رداءً واحداً ينهمر حول جسدها». وترتسم عليه بعد حلول زهور السلام والسكينة المتفتحة حول جسدها: «أسماء ووجوه نساء كثيرات يتناسلن من الأزل». وحيث تتماثل الحياكة والحكاية/ الكتابة، في الرداء الحامل لجميع أسماء النساء الحائكات، إذ تضيف المرأة إنه: «لا يُراد لبعض الحكايات أن تنتهي. لذا تعثر على من يحكونها زمناً بعد زمن، كذلك الأمر مع المنسوجات». وإذ تتأمّل ندى: «النقوشَ وكأنها تراها لأول مرةٍ/ جميعُ جدّاتها الحائكات هنا، حكاياتهنَّ وصنائعهنَّ وأغانيهنَّ وضحكاتهنَّ ودموعهنَّ وضمادات جروحهِنَّ وأكفانهنَّ… ربّما بينهنَّ حسينة المجدلية وبينولوبي والإمبراطورة الصينية وتانيس ونساءٌ لا أسماء لهنّ عشن قبل اللغة».
وفي موجتَيْ حائكات أزلها، توضح الخطيب، تسهيلاً على القارئ، أسماء شخصيات الموجتين في:
فصل الماضي: وتمثله شخصيات زمن ما قبل التدوين: «تانيس»/ مثيلة الإلهة الفينيقية تانيت، وابنتها «ليلان»، وحفيدتها «أثاليا»، ونساء تدوين القرنين 18 ــ 19: «مهجة الكبرى» من نسل أثاليا» و«وضحى»، وابنتها مهجة.
وفصل الحاضر: وتمثله شخصيات القرنين 20 ــ 21: «حسينة» من نسل مهجة الثانية، وابنتها أميرة، وحفيدتها «ندى» التي تبدأ منها الرواية في الحاضر، وتنتهي بها بعد لقاء موجتها القادمة من الماضي، في الفصل التاسع عشر المرقم مثل بقية الفصول من دون عنوان.
وتوضح الخطيب، في تأكيدها على كمومية النهج الذي تسير فيه الرواية، من خلال وصف وجه ثيمتها باللطيف المريح: «وإن لم يساعد على تخمين عمرها. فقد كانت تبدو طفلةً وشابةً وكهلةً وعجوزاً في آن واحد، وكأن عمرها كله، بكافة مراحله، ممهورٌ على وجهها».
مثلما توضح في منظومة سرد حياة حائكات أزلها، أسلوبَها في نقل الواقعية السحرية إلى ما يقترب من الواقعية الكمومية التي ينتهي فيها الواقع بواقعات الاحتمال، وفي إثارة الدهشة العميقة التي ميّزتْ معظم أعمالها السابقة وطبعتْها بالأهمية لاعتمادها على فلسفة وحدة كائنات الطبيعة، واحترامها للبيئة وكائناتها.
وفي ذلك تعتمد الخطيب في هذه المنظومة على سارد واحد هو الراوي العليم، وبخصوصية أكثر، على الراوية العليمة/ الحكيمة، كون غاية الرواية الخفيّة هي الدفاع عن النساء في وجه تغوّل المجتمع الذكوري؛ بمرجعيةِ محاولة النساء استعادةَ مكانتهن الاجتماعية التي منح المجتمع الأمومي المرأة فيها مرتبة الإلهة الأم/ الكبرى، بصفة المرأة الحكيمة التي نجدها في مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بمعالجات التشافي.
ولأن الدهشة تفترض الجِدَّة والإبداع الذي توليه الخطيب اهتمامها وفق ما يبدو في أعمالها، تصل الخطيب بالقارئ إلى مغامرة دخول الراوي العليم الذي يُفترض أن يكون محايداً، بطلاً في الرواية، وإيصال المغامرة إلى ذرى خطيرة في الإدهاش ينقذها من الوقوع في مبالغة الإقحام، ويدفعها إلى التألّق تماشيها المتشابك مع عناصر الرواية وبيئتها، إذ تفاجئ الخطيبُ قارئها بأن الراوية الحكيمة ما هي إلا بنت آوى التي آنستها ندى وأمها حسينة وجدّاتها السابقات اللواتي قدن حركات معصية التطويع، خارج كره البشر لهذا الكائن غير القابل لأن يُطوَّع، وإيذائه، تحت نار لوثة حرائق الأقمشة والوادي من قبل الأهالي بنار جهلهم وهروبهم إلى الوهم في مصائب الأوبئة، حيث: «شممتُ شياط فرائي، وشعرتُ بأنني سأتقبّل شواء لحمي وألمي إن عويت. العواء سيصبّرني. طالما فعل».

حياكة الإبداع:

داخل البنية التي قامت فيها حكيمة الخطيب بإدهاش القارئ، حاكت الخطيب قصص النساء الحائكات بقدرةِ وصبرِ حياكاتهن لنسيج ثياب التاريخ، وتاريخ الألم. وضمّنت حكاية المرأة الغازلة الأولى «تانيس»، الصماء البكماء التي تختلف الروايات بأصلها من أين أتت، وسلالتها من الحائكات اللواتي تتماثل سير حياتهن مع سير النساء المتمردات في تاريخ البشرية، كل ما تحتاجه القصص المدهشة المميزة بواقعية سحريةٍ والعميقة في معانيها، من تألق يأسر القارئ ويُشابك قصة حياته بقصصهن.
ويعيش القارئ كأمثلة وصول شخصية المذهلة «تانيس» إلى مسؤولية سادنة «قصر الهجران»/ السجن الذي شيّده كاهن شكّ في خيانة زوجته له، للنساء العاصيات والمتمردات والخائنات والموبوءات. وابتكاراتها في الزراعة وتربية الحيوان والحياكة التي علّمتها لسجينات القصر قبل أن تُحرّرهن، وتُقاد لعقابها إلى ساحة الإعدام في قفص تختفي منه، بواقعية سحرية آسرة، ما أن تصل الساحة؛ لتكمل مسيرتها في حماية النساء ومنح الولادات معاني تجدّد الحياة والصمود والنجاة.
مثلما يعيش القارئ سيرة حفيداتها الرائعات، مثل الفارسة «مهجة» التي رفضت الزواج من ابن عمها قيس كرامةً لحريتها، وعانت مع أبيها الذي وقف بجانبها ضد عادات قبيلته، خطورة الملاحقة والقتل، وحمتْ خيولها المصابة بالطاعون من الرصاص بجسدها، و«أميرة» التي صارت أميرة الركام، حيث:
«لم يختر الزلزال توزيع الموت على عدة أسر. جعل المأساة كلها في أسرة واحدة، وفي قلب شخص واحد هو تلك الطفلة التي أنقذت سابقاً بعض الفراشات من إبرة والدها، وسمحت لها أن تمزّق الشرانق وخيوط الحرير وتخرج من دون رقابة أحد، فقط لأنه لم يعجبها أن يكون ثمن أي شيء القتل».
وداخل هذه البنية، كروائية تُقدّر وتحترم القارئ بقدر احترامها لعملها، زوّدت الخطيب روايتها بكل ما تحتاج من معلومات تُلمس من خلالها جهود البحث، وأشارت إلى أصحابها شاكرةً؛ في تشابكٍ متينٍ لموضوعات البحث مع غايات وشخصيات الرواية، مثل بحث: الإلهة «تانيت»، إلهة الخصوبة لدى الفينيقيين وحامية قرطاج الراجعة أصولها إلى الإلهة عشتار، والمتشابكة مع الغازلة الصماء البكماء تانيس، وبحث مسرح الرواية الأهم، وادي الهجران الموجود في الوادي المتصدع الكبير أو الأخدود الإفريقي العظيم الذي يعود حدوثه إلى 25 مليون سنة.
وكذلك بحث حياة فَراش القز، بما يتشابك مع موضوع الرواية «الحياكة»، وتَقَوقعُ وصمت الأم أميرة التي تعاني الاحتضار، إذ: «ربما كلّمت أميرةُ الجانَ والملائكة أيضاً داخل شرنقتها… الشرانق لا تتسع لأي كلام لكنها تمتص بلهفةٍ كل صمت… حياة فراش القز قصيرة، أقل من أسبوع… دورة حياة حريرية دثّرت المولودين الجدد، ودفّأت البردانين… ثم واست العظام الوحيدة».
وكذلك بحثها في تواصل الولادة والانقطاع من خلال حبل السرة سواء في الكتب أو تجارب الشعوب ومفاهيمها، حول الأمومة البيولوجية وحبل السرة الذي «يبقى مصلاً ويعمل في الاتجاهين، ويتابع التوالد والتشعب، ولا يمكن قطعه، وإن توهم البشر أنهم فعلوا». مع شعور ندى بانقطاع حبل سرتها إذ: «تقف أمام مرآة خزانتها التي نمّش الصدأ حوافها. ترفع كنزتها الموهير وتنظر إلى سرّتها. عقدةٌ محكمة. لن تورّثها لأحد…»
والكثير الكثير مما يغني الرواية والقارئ، مثل بحث الخيول العربية وأسباب تميّزها بعنقها الطويل الجميل، إلى جانب التمازج بين موضوعات الرواية وتفاصيل الطبيعة ببرّها وغاباتها وبحرها وكائناتها التي تموج بالحركة والألوان والأصوات، إضافة إلى التداخلات المصاغة بأسلوب الواقعية السحرية الماسح للرواية بكلّيتها، والذي يصل ذروته في ظهور واختفاء المرأة الغريبة. وفي تفاصيل حياة تانيس التي تنسل خيطاً من ثوبها وتربطه بأحد أعمدة القصر، ليكرّ الثوب، ولتذرو بيديها من جيبها بذور الهندباء على طول الطريق، ولتختفي عند فتح قفصها في ساحة الإعدام.
وفي الختام الذي لا يَختُم، إذ تحفل الرواية بما يصعب استيعابه في قراءة، تتوضع «حائكات الأزل»، روايةَ روائيين بقدْر ما هي رواية قُراء لا يتوقّف تأثيرها وأهميتها على المتعة في قراءتها.

بسمة الخطيب: «حائكات الأزل»
دار الآداب، بيروت 2025
228 صفحة.