تحوّل خبر طلاق نجل الفنان محمود عبد العزيز إلى مادة إعلامية دسمة في الصحافة الإسرائيلية، رغم أنه خبر اجتماعي عابر في سياقه الطبيعي.

إلا أن الهيستيريا التي صاحبت التغطية، وطريقة صياغة العناوين، والنبرة المستخدمة، تكشف أن الأمر أبعد بكثير من مجرد خبر فني بل يحمل طبقات أعمق مرتبطة بتاريخ طويل من الحساسية الإسرائيلية تجاه شخصية رأفت الهجان، والعمل الدرامي الذي شكّل كابوسًا وجرحًا نفسيًا للإعلام الإسرائيلي لعقود.

رأفت الهجان.. العقدة التي لم ولن تُحل

يصعب فهم دوافع التناول العبري دون العودة إلى الجرح المفتوح: مسلسل رأفت الهجان. فعلى مدار سنوات طويلة، شكّل العمل أحد أكثر الإنتاجات العربية تأثيرًا على الوعي الشعبي الإسرائيلي؛ ليس فقط لأنه قدّم قصة نجاح مخابراتي مصري نفذها رفعت الجمال داخل إسرائيل، بل لأنه قدّم صورة للإسرائيلي “القابل للخداع”، وهي صورة يكرهها الإعلام العبري وينزعج منها بشدة.

ولذلك ظل اسم محمود عبد العزيز، بطل المسلسل، مرتبطًا لدى الإسرائيليين بسردية حساسة ومؤلمة، حتى وإن لم يكن هو المسؤول عن العملية الحقيقية. اكتسب الممثل هالة رمزية تتجاوز الفن لتدخل منطقة النفوذ النفسي والسياسي.

الفنان القدير محمود عبد العزيز والفنانة القديرة يسرا من أحد مشاهد العمل المصري الخالد “رأفت الهجان”خبر الطلاق يتحول لعنوان سياسي متنكر

عندما تناولت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية خبر طلاق نجل الفنان محمود عبد العزيز، لم تتعامل معه كخبر اجتماعي عابر، بل حولته إلى مادة إثارية تحمل في مضمونها تشفّيًا واضحًا في الإرث الفني لوالده.

قدّمت الصحيفة الإسرائيلية الخبر بطريقة تكشف نوايا تتجاوز حدود التغطية الفنية المعتادة؛ فالعنوان الرئيسي جاء بصيغة مثيرة: “قصة خيانة تهز العالم العربي”، رغم أن الحدث يحمل طابعًا شخصيًا بحتًا. كما كرّرت الجريدة ذكر اسم عائلة عبد العزيز بصورة لافتة، ودفعت بالقصة إلى مستوى أعلى من الدراما عبر صياغة تُضخم الحدث دون مبرر حقيقي.

ولم تكتفِ “معاريف” بذلك، بل اعتمدت على صور شخصية مكثفة، ومعلومات من “مصادر مجهولة” لإضفاء المزيد من الإثارة، وهو ما يوحي بمحاولة خلق ارتباط نفسي بين القارئ وبين السردية التي تريد الصحيفة ترسيخها.

خبر انفصال الفنان المصري كريم محمود عبد العزيز وزوجته على جريدة معاريف الإسرائيلية

هذا الشكل من التناول لا يبدو بريئًا إذ يعكس رغبة واضحة في إعادة تفريغ رمزية محمود عبد العزيز الذي شكّل أحد أكثر الأعمال الدرامية تأثيرًا وإزعاجًا للوعي الإسرائيلي وذلك عبر انتقاء قصة عائلية تخص ابنه وتضخيمها بشكل يتجاوز قيمتها الفعلية. بهذه الطريقة، أعادت الصحيفة فتح الباب أمام إرث الفنان الكبير، ولكن من زاوية شخصية تسعى لتقليل أثره وإضعاف الصورة التي ارتبط بها في الذاكرة العربية.

لماذا كل هذة الحدة؟

توقيت تناول الصحافة العبرية لخبر طلاق نجل محمود عبد العزيز، والطريقة الهجومية التي صيغ بها، لم يأتيا من فراغ. فاسم “عبد العزيز” ما زال يحتفظ بشحنة رمزية ثقيلة داخل الوعي الإسرائيلي، إذ تُدرَّس قصة “رأفت الهجان” هناك بوصفها واحدة من أكثر السرديات إيلامًا للإعلام العبري، وما زالت الأجيال الجديدة في إسرائيل تتعرف على العمل وتقرأ عنه في مقالات وتحليلات لا تنتهي. ومن ثم فإن أي ظهور للاسم في سياق مثير يمنح الصحف الإسرائيلية فرصة لإعادة استحضار إرث المسلسل بطريقة غير مباشرة.

كما يحمل الخبر ذاته كل العناصر التي يفضلها الإعلام العبري لصنع فرقعة إعلامية؛ طلاق، مزاعم خيانة، صور شخصية حقيقية، وتفاصيل تتعلق بحياة مشاهير. وهي عناصر تُستغل عادة لتحويل قصة شخصية عادية إلى مادة درامية واسعة الانتشار، خاصة عندما يكون بطلها من عائلة ذات حضور شعبي مصري كبير.

لكن الدافع الأهم يكمن في محاولة الربط بين الرمز وأي خبر سلبي يمكن أن يُضعف أثره التاريخي. فالإعلام الإسرائيلي، حتى دون إعلان صريح، يحاول دومًا تحييد الرموز المصرية التي صنعت سرديات مؤلمة للإسرائيليين. وبالنسبة لهم يظل محمود عبد العزيز واحدًا من هذه الرموز، ليس بصفته فنانًا فقط، بل باعتباره الوجه الذي ارتبط في المخيلة المصرية والعبرية معًا بقصة “الهجان” التي ما زالت تشكل ندبة في الذاكرة الإسرائيلية.

جواز سفر رأفت الهجانالتشفي من الرمز لا من الشخص

الخبر لم يكن عن النجم الشاب بقدر ما كان عن ظل والده. والصحيفة لم تكن معنية فعلًا بالطلاق، بل كانت معنية باستخدام اسم محمود عبد العزيز بطريقة تُضعف القيمة الرمزية التي خلفها في الوجدان العربي خلال عرض “رأفت الهجان”.

الجاسوس المصري رفعت الجمال، المعروف باسمه الحركي “جاك بيتون”، مع زوجته الألمانية فالتراود وابنهما دانيالرسالة “خاص – مصر” إلى “معاريف”: متى سيلتئم الجرح؟

مرت عقود طويلة على عرض “رأفت الهجان”، اختفت خلالها دول، وتغيّرت خرائط، وتحوّلت المنطقة بأكملها، بينما بقيت الصحافة العبرية أسيرة مشهد واحد.. المصري الذي اخترق جهازهم الأمني، وتجوّل بينهم، وعاد محمّلًا بما يكفي ليصنع واحدة من أقوى السرديات الوطنية في تاريخ الدراما المصرية.

لا تزال “معاريف” تتعامل مع مجرد اسم “عبد العزيز” وكأنه صفعة متأخرة في وجه الذاكرة الإسرائيلية. كل ظهور بسيط لابن الفنان يمنح الصحيفة ذريعة لفتح جرح لم يلتئم، وكتابة قصة جديدة لا شأن لها بالواقع، لكنها محاولة مستميتة لاستعادة جزء مما فقدته إسرائيل.

فالجرح الذي تركه “الهجان” لم يكن فنيًا فقط بل كان نفسيًا وسياسيًا وثقافيًا. ويبدو أن معاريف، بكل ما أوتيت من أدوات صحافة الإثارة، ما زالت غير قادرة على تجاوزه. فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا نشرت الصحيفة هذا الخبر؟ بل لماذا ما زالت تبحث عن انتصار صغير على إرثٍ أكبر منها؟

ومتى تعترف تل أبيب بأن معركتها مع مسلسل عُرض قبل ثلاثين عامًا قد انتهت وأن الجرح الذي تحمله لا يلتئم بالافتراء على الأبناء، بل بالقدرة على مواجهة الحقيقة ؟؟

اقرأ أيضًا.. سفن غير مصرية تحصل على تخفيضات قوية عند مرورها من قناة السويس.. ما السبب؟

نسخ الرابط
تم نسخ الرابط