يمثّل الإصدار جسراً بين جيلين من مغنّي الراب الأردنيين (موقع الفنان)

في مشهد موسيقي عربي يترنّح بين أنقاض الحقبة الليبرالية وصدمة التحولات الجيوسياسية الجديدة، يبرز صوت الفنان طارق أبو كويك المعروف بالفرعي، بوصفه صوتاً أصيلاً ومحوريّاً، يمثّل تجربة جيل كامل بين الغربة والوطن والمدينة الحديثة والأرض المحتلة. بعد مسيرة فنية ثريّة امتدت لأكثر من عقد ونصف، تنوعت بين هدوء ثلاثية “الخشب” الأكوستيكيّة وصخب فرقتي المربّع و47Soul، يعود الفرعي ليُتوّج هذه المسيرة بألبومه الجديد “راب شرق النهر”.
الألبوم بيانٌ نقديٌّ وفنيّ يعود الفرعي عبره إلى جذوره في الراب، لكن هذه المرة بنضجٍ شعريٍّ وصوتيٍّ يجعله جسراً بين جيلين من مغنّي الراب الأردنيين، ومساحةً لفحص المرتكزات الأساسية التي قام عليها فنّه على مرّ السنين. جاء هذا العمل ليؤكد أن الفرعي لا يزال يمتلك القدرة على صياغة الكلمة الثقيلة التي لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسعى إلى تفكيكه وإعادة تركيبه في قالب رصين، بعيداً عن رصّ الحكي الفارغ، متفحصاً بإمعانٍ إشكالية موت الراب وبروز جيل زِد في زمن ما بعد السابع من أكتوبر والشخصيات الملثمة.
لطالما اتسمت مسيرة أبو كويك بالازدواجية الإبداعية؛ فمنذ انطلاقته في عمّان أواخر العقد الأول من الألفية حاملاً اسم الفرعي ليعبر عن تفرع الذات والهوية، أصرّ على إطلاق مسارين متوازيين، مسار “الثلاثية الخشبية” الأكوستيكي المتأمل الذي بدأه بـ “صوت من خشب” (2012) واختتمه بـ “ناس من خشب” (2022)، ومسار الراب الصريح الذي بدأه مع “فرع المداخل” (2012) وتواصل في “كمان دفشة” (2014) و”لازم تسعة” (2021). هذه الازدواجية كانت تعبيراً عن رغبة في استكشاف الذات والغضب الجماعي والاشتباك المباشر مع قضايا الهوية والشتات من كل الزوايا. عبر هذه الرحلة تطورت كلمته من الغضب الثوري المباشر في زمن الربيع العربي إلى التأمل الحزين والنقد الذاتي الحاد فيما بعد، ما عكس نضجاً فنياً وشعرياً يتوازى مع تحولات جيله وخيباته.
مع صعود الموجة الأولى للراب العربي المتأثر بالنمط الأوروبي، قدّم الفرعي ألبوم “كمان دفشة” (2014) الذي مزج عينات من الموسيقى العربية التقليدية مع إيقاعات الهيب هوب، ليكون بذلك علامة على محاولات توطين هذا الفن الوافد. لكن الانزياح الأكبر جاء مع “الرجل الخشبي” (2017) الذي مثّل صوت الجيل بعد انتكاسة الربيع العربي، مُجسّداً ذلك في أغنية “تغيرتي” التي أصبحت أنشودة لجيل أدرك أن الطريق إلى التغيير أطول مما تخيل.
يمثّل ألبوم “راب شرق النهر” إعلان هوية جمعية، فهو اللحظة التي تلتقي فيها جميع الفروع في مجرى نهر واحد، الاسم نفسه يشير جغرافياً إلى الأردن، لكنه رمزياً يشير إلى المكان الذي ما زال متمسكاً بجذوره. الألبوم الذي أنتجته شركة عرب درمز بالتعاون مع المنتج السوري ووردِنْكلِفّ وسجّلَ وهندس صوته داب كارافان، يعود بقوة إلى جذور الراب الكلاسيكي بإنتاجٍ نظيفٍ وثقيل، مركزاً على قوة الكلمة في مواجهة بهرجة الموسيقى السائدة. القرار بتضمين تعاونات مع رابرز من الجيلين الأول والثاني في المشهد الأردني هو بمثابة تشييد جسر بين الأجيال وتوثيق لذاكرة جماعية.
يأتي الألبوم بياناً ختامياً لواقع ثقافي بأكمله، ومحطة تُتوِّج مسيرة متشعبة استمرت لعقدٍ ونصف، مسجلاً من خلاله لحظة وداع جيل كامل من الرابرز الذين تشكلوا في رحم صراعات ما بعد الربيع العربي. وأيضاً، إعلان عن مرحلة جديدة من المسافة صفر حيث لا مجال للمواربة أو التجميل، بل مواجهة مباشرة لموت الراب وندبة جيلهم وبروز جيل جديد يحتاج إلى مدخلٍ حقيقيٍّ للوعي.
تقدم أغنية “حكي” (مع الشيفرة) مواجهة صريحة مع واقع أن “هذا العالم كله بس حكي”. الإيقاع ثقيل ومباشر، يعزز من حدة الكلمات التي تنتقد ثقافة “رص الحكي” الفارغ في المشهد. في عالم ما بعد الصدمات الكبرى، تعلن الأغنية أن “غير الطوفان ما في هون حكي”، مؤكدة أن الكلمة الحقيقية يجب أن تأتي من صلب الشارع ومعاناته.
توجّه أغنية “انطقها” (منفرد) نقداً لاذعاً للانتهازية والنفاق الاجتماعي والسياسي، وتمثل رفضاً لسياسات التهميش والتبعية التي غذتها الحقبة الليبرالية السابقة. يبدو الفرعي هنا وكأنه يطلق صرخة تحريضية (انطقها انطقها فجرها) في وجه “حياة فيران دولار دولاب”. الإيقاع في هذه الأغنية يشبه دقات مطرقة على الحديد.
نصل إلى الذروة النقدية في أغنية “السّواق” (مع المختار)، إذ يعلن الفرعي عن رحلة جماعية، مشيراً إلى أنّ “بلدي أنا مش عالـGoogle map”. الإيقاع سريع ومندفع، يحاكي حركة السير وضجيج المدينة. الجملة الأكثر دلالة “ما حنصف الباص غير على أبواب جنين” هي خلاصة رمزية لقصة الألبوم كله، فالغاية النهائية للفن والمقاومة هي العودة والتحرير ورفض أن يكون الراب مجرد تسلية عابرة.
تتجسد في أغنية “كَلِمَةُ حَقٍّ” (مع كاز ترابية) روح الالتزام والذاكرة، تبدأ بعينة صوتية لصوت جماعي يردد “كلمة حق”. الإيقاع بطيء نسبياً ووقور، كأنه مرثية أو نشيد، ليتناسب مع التحية التي يقدمها الفرعي “بحق من فقدنا”. الأغنية تذكر بأن “الكل اليوم متلطّخ بالدم” وتؤكد أن “الحر دايماً نفسه حر ولو بيدين مكلبشين”.
أغنية “رايقة رايقة” (مع مسلّم) وعلى الرغم من عنوانها المسترخي، إلا أن الإيقاع قد يميل إلى “دريل” مبطأ مع لمسات محلية أصبحت مألوفة، إذ يتبادل الفرعي ومسلّم التحية للشباب الإنديبندت وينتقدان برامج التطبيع والاستهلاك الثقافي الأعمى.

يعتمد في أغنية “مستقيم” (مع ب – خطة ب) على إيقاع “تريب” حازم، مع خط باص واضح يشبه نبضات القلب. يجسد الثنائي فكرة الثبات على المبدأ في زمن الانحراف، يكرران “ما بتزاوغ.. مستقيم”. هذه الأغنية تُقدَّم للجمهور بوصفها مانيفستو ضد كل أشكال المواربة.
تعود “دونم دونم” (مع السينابتيك) إلى الإيقاع الكلاسيكي مع عينات من أغاني المواويل القديمة. يشبه هذا التعاون رحلة عاطفية في ذاكرة عمّان، يجمع بين الحب والإيمان والهوية في قالب سردي شاعري.
تُقدم أغنية “مستريح” (مع ساطي) بإيقاع “جاز-راب” هادئ مع عينات من الساكسفون. يغوص الثنائي في العلاقة المعقدة بين الفنان وفنه والثمن الذي يدفعه إلى الإبداع في ظل الظروف الصعبة.

“راب شرق النهر” هو خلاصة رحلة فنية وشخصية طوال 17 عاماً، وهو البوابة التي يعود منها الفرعي إلى جذوره ليواجه بها تحديات الحاضر والمستقبل. نجح الفنان في هذا العمل بتحويل الهجران الشخصي الذي عاشه في ثلاثية الخشب إلى هجرة جماعية نحو أصل الكلمة وقوة الصوت. إنه وثيقة تاريخية تواكب تحولاً حضارياً، كما أنه تحول في أولويات الجيل وانهيار العديد من يقينيات العولمة. هو محاولة لاستعادة الكلمة والصوت واللحن بوصفها فعل مقاومة وذاكرة. لا يختم الفرعي بهذا العمل مرحلة من مسيرته فحسب، بل يشارك في دفن راب الحقبة الليبرالية الذي كان يعتقد أنه يمكن أن ينمو بمعزل عن جذوره، ويعلن عن ميلاد صوت جديد لراب ما بعد 7 أكتوبر، أكثر وعورة وأكثر اتصالاً بالأرض