قضت مصر رسميًا على مرض التراخوما، منهيةً بذلك معركةً ضدّ السبب المُعدي الرئيسي للعمى الذي يُمكن تجنّبه في العالم، والتي استمرت لأكثر من 3000 عام.

أعلنت منظمة الصحة العالمية هذا الأسبوع عن هذا الإنجاز، لتصبح مصر الدولة السابعة والعشرين التي تقضي على هذا المرض كمشكلة صحية عامة، مانحةً أملًا جديدًا لأكثر من 100 مليون شخص ما زالوا معرضين للخطر حول العالم.

يُعدّ مرض التراخوما أحد الأمراض الاستوائية المهملة الـ 21، وقد أثر لفترة طويلة على أفقر مجتمعات العالم وأكثرها عزلةً. في حين أن العدوى المبكرة قد تُسبب تهيجًا خفيفًا، فإن تكرار النوبات يؤدي إلى تندب الجفون وانحناء الرموش إلى الداخل، مما يُسبب ألمًا شديدًا وعمىً لا رجعة فيه في حال عدم التدخل في الوقت المناسب.

مرض مُدوّن في نصوص مصرية قديمة

تعود أدلة انتشار مرض التراخوما في مصر إلى آلاف السنين. فقد وثّقت بردية إيبرس، وهي نص طبي يعود تاريخه إلى عام 1500 قبل الميلاد، علاجاتٍ شملت المر، وحتى دم السحالي والخفافيش، لعلاج الحالات المتقدمة من المرض.

تؤكد بيانات الصحة العامة الحديثة استمرار هذا التهديد حتى القرن العشرين: فقد كشف مسح وطني أُجري عام 1998 عن انتشار واسع للعدوى بين الأطفال المصريين، مما دفع إلى الاعتراف الرسمي بالتراخوما كمشكلة صحية عامة رئيسية.

بحلول عام 2025، ساهمت عقود من التدخلات المنسقة – بقيادة منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة والسكان المصرية، بدعم من منظمة سايت سيفرز، ومنظمة سي بي إم، والمبادرة الدولية للتراخوما – في السيطرة على المرض على الصعيد الوطني.

كيف قضت مصر على التراخوما؟

يعود نجاح مصر إلى جهد وطني يجمع بين الجراحة، وتوزيع المضادات الحيوية، والتوعية الصحية، وتحسين البيئة. بدأت الاستراتيجية عام 2001 مع إطلاق إطار عمل منظمة الصحة العالمية “SAFE”:

الجراحة لعلاج الحالات المتقدمةالعلاج بالمضادات الحيوية بتبرعات من المنظمات الشريكةمبادرات نظافة الوجهالتغييرات البيئية للحد من انتقال العدوى

توسع هذا النهج من خلال حملات توزيع الأدوية على نطاق واسع، والتدريب الوطني لأطباء العيون، وتعزيز المراقبة، ودمج التثقيف حول التراخوما في المناهج الدراسية والبرنامج الوطني لرعاية العيون.

صرح الدكتور خالد عبد الغفار، نائب رئيس الوزراء ووزير الصحة والسكان، قائلاً: “إن تخلص مصر من التراخوما يؤكد التزامها المستمر بتقديم رعاية صحية منصفة”.

أشاد بهذا الإنجاز للعاملين في مجال الصحة والمجتمعات المحلية والبرامج الوطنية، مثل برنامج “حياة كريمة”، الذي وسّع نطاق الوصول إلى المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والرعاية الأولية في المناطق الريفية.

انتصار إقليمي وعالمي على الأمراض المدارية المهملة

تنضم مصر إلى قائمة متنامية من الدول التي تحتفل بانتصارات كبيرة في مكافحة الأمراض المدارية المهملة. قضت على الملاريا في عام 2024 وعلى داء الفيلاريات اللمفي في عام 2018.

في إقليم شرق المتوسط ​​لمنظمة الصحة العالمية، قضت سبع دول على التراخوما، وحققت 27 دولة حول العالم – بما في ذلك غانا وباكستان وبوروندي والسنغال – نفس الإنجاز.

وصف سيمون بوش، مدير قسم الأمراض المهملة الاستوائية في منظمة سايت سيفرز، القضاء على التراخوما بأنه “إحدى أعظم قصص النجاح في مجال الصحة العالمية في هذا القرن”، وحثّ مجتمع الصحة العالمي على الاحتفال بهذا التقدم في ظلّ انتكاسات أوسع نطاقًا في أماكن أخرى.

اقرأ أيضا.. شبكة الموانئ الصينية تحيط بالعالم.. نفوذ استراتيجي وعسكري متنام عبر ست قارات

أمل في الدفعة الأخيرة نحو أهداف 2030

على الرغم من التقدم الملحوظ، لا يزال التراخوما متوطنًا في 30 دولة. وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إن إنجاز مصر يُبرز “فعالية القيادة الوطنية المستدامة، والمراقبة الدقيقة، والمشاركة المجتمعية في القضاء على مرضٍ أصاب البشرية منذ القدم”.

بينما يسعى المجتمع العالمي للأمراض المدارية المهملة لتحقيق أهداف القضاء عليها بحلول عام 2030، يُقدم نجاح مصر دليلاً مُلهماً على ما يُمكن تحقيقه من خلال الاستثمار طويل الأمد والتعاون العلمي والتعبئة الشعبية.

نسخ الرابط
تم نسخ الرابط