الفيلم من بطولة آية بالآغا وسليم بكار (الملف الصحافي)

رسمٌ بسيط فاحش، كما يُطلق عليه سابقاً، لعضو ذكري، كافٍ لإدراك شعور السخرية، وفي الوقت نفسه، التمرّد الذي يحرّك بطلة فيلم “وين ياخذنا الريح” (2025)، باكورة المخرجة التونسية أمل قلّاتي، التي تلقي نظرة على عالم الشباب وأوضاع المرأة، في مجتمع بعيد كلّياً عن التقدم، ولا يزال يعجّ بالسلطة الأبوية.
تونس، المطبوعة بثورة مجهِضة ومرحلة انتقالية عاجزة عن الوفاء بوعودها، تبدو هنا بلداً عالقاً في الزمن وراكداً، يعاني بطالة متصاعدة، ومستقبلاً غامضاً لشبابه.
“وين ياخذنا الريح” انعكاسٌ لمعاناة الشباب التونسيين اليوم، ولإحباطهم وأحلامهم. مشاهدته أقرب إلى تجربة عاطفية. كأننا أمام مرآة تعكس الواقع بمرارة. لا يحاول تجميل الحقيقة، أو تقديم حلول سطحية، بل يعطي صوتاً لجيل شابّ يعاني ظلماً وفساداً وبطالة. هذا يظهر في شخصية مهدي (سليم بكار)، الذي رغم مواهبه الفنية الواضحة، يكافح باستمرار للعثور على وظيفة، ويجد نفسه عاطلاً من العمل في بلدٍ يرفض إعطاء فرصة لعقوله المبدعة. الشيء نفسه يحدث لعاليسا (آية بالآغا، واسم الشخصية مستعار من ملكة فينيقية قديمة)، طالبة في صفوف ثانوية، لا تريد من الحياة إلا الهرب من تونس. 
الفيلم، المعروض أولاً في الدورة الـ41 (23 يناير/ كانون الثاني ـ 2 فبراير/ شباط 2025) لمهرجان ساندانس، بورتريه جريء وساخر لجيلٍ يبحث عن الحرية. الرسم المذكور أعلاه نقشته عاليسا على متن حافلة زرقاء، بقلم أصفر فاقع، باللون نفسه للعنوان، الذي يظهر بعده مباشرة، كأنه يشير إلى وضع المخرجة وبطلتها في المستوى نفسه، تقارباً في كسر كل نمط مُحدّد مسبقاً، اجتماعياً وسينمائياً. “وين ياخذنا الريح” ـ الفائز بنجمة الجونة لأفضل فيلم روائي طويل عربي (20 ألف دولار أميركي)، في الدورة الثامنة (16 ـ 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2025) لمهرجان الجونة ـ صورة دقيقة لشباب سحقتهم مُثُلهم العليا وآفاقهم المهنية.
عاليسا، فتاة نشيطة ومُغامِرة، ومهدي، صديقها الخجول والمتأمّل، موهوب بروحٍ فنية عظيمة في الرسم. مقارنة خيالهما لافتة للتأمّل. يرسم مهدي تلك الصورة الجميلة لها: وجه مُعاد إنتاجه بطريقة مماثلة، ومع ذلك ينفجر بالسوريالية. هي ترسم الخربشة المذكورة أعلاه، في لفتة بسيطة من التجاوز، قادرة على التعبير عن كثير من الطاقة والغضب المكبوت بأقلّ جهد غرافيكي. ينضمّ إليها أثناء جلوسها على درابزين، تحدّق في الفراغ، كأنها على وشك الانتحار. لكن وجود الصديق كاف لفهم تكامل الشابين، والطاقة التي يتشاركانها للمضي قدماّ. حتى أن ثورة 2010 ـ 2011 يُستَشهد بها لتبيان وعودها المنقوصة. غالباً تُقدّم تونس في الخلفية مشهداً متداعياً، وجدراناً تغطّيها دعايات انتخابية، وأنقاضاً. لكن البطلين ينسحبان، في أحد أجمل المشاهد، متأمِّلَين المدينة والسماء المرصّعة بالنجوم ليلاً. هذه المشاهد الطبيعية (كاميرا الموهوبة فريدة مرزوق) تستحضر جمالاً أسمى: المدرج الروماني، بساتين الزيتون، القوى الطبيعية، الريح، الغيوم. هذه توجّه أحوال الفيلم، حتى في الأحلام.
رغم قربهما، هما ليسا زوجين. توضح قلاتي ذلك مباشرة، بتصويرهما وهما نائمان معاً، مُتباعدَي الوجهين. حقيقة تتكرّر، قبل أن يُؤكّدا طبيعة علاقتهما كأخوين. ثم يأتي أحد أكثر الأحلام جنوناً، إن كان حلماً: يعثر الشابان على مكانٍ مُظلم، نادٍ غربي، فيرقصان فيه. هنا، تبدأ عاليسا وفتاةٌ، يقابلانها هناك، تقبيل بعضهما بعضاً وهما ترقصان، طافيَتين في الهواء، في واقعية سحرية تُذكّر بكوستوريتزا. حلم آخر يُستذكَر، ربما نستنتج أن مهدي مُغرمٌ بصديقته قليلاً. لكن، في النهاية، صداقتهما لا عشقهما تتجاوز بحدّ ذاتها الأعراف الاجتماعية والسينمائية.

يطمح الشابان إلى حياة مختلفة عن الحياة المتواضعة، الأخلاقية والتمييزية، التي يجدان نفسيهما فيها، والتي تُمثلها معلمة المدرسة، التي ترتدي حجاباً ثقيلاً. ثم يأتي تطوّر غير متوقّع: مسابقة تصميم غرافيك، تُنظّمها مؤسسة ثقافية ألمانية، تُتيح للفائز السفر إلى ألمانيا لإقامة فنية. نظراً إلى موهبتهما في الرسم، يُقرّران استغلالها، مدفوعَين بيقين الفوز. لا خيار أمامهما سوى سرقة، أو استعارة سيارة صديقهما، للانطلاق في مغامرة الوصول إلى جربة من تونس العاصمة. هكذا، يُصبح “وين ياخذنا الريح” فيلماً في/ على الطريق، رحلة بلوغ وجودية، تلعب فيها الرياح والعناصر والطبيعة دوراً محورياً.
أكثر جوانب الفيلم إثارةً للاهتمام الطريقة التي يصوّر بها السيناريو الثقافة والعادات التونسية، عبر رحلة عاليسا ومهدي. يتناول مواضيع اجتماعية عميقة الجذور في المجتمع التونسي: دور المرأة، وظيفة الفنّ، الإضرابات، مستويات البطالة المقلقة. لا يُربك أيٌّ من هذا المتفرّج، لتصويره بشكل طبيعي، وحتى بلمسات كوميدية. كما يُتيح التعرّف إلى الزوايا الخفية للساحل التونسي: حانات الطرق، وأطلال المستوطنات الرومانية القديمة.
عبر رحلتهما، تقارن قلاتي بين سعيهما الملحمي إلى التقدّم وتحقيق أحلامهما، والتمسك بالتقليدية وركود الجيل الأكبر في تونس. هناك مشهدٌ يُوقف فيه إضراب سائقي سيارات الأجرة عاليسا ومهدي، اللذين يحاولان شرح الوضع وأهمية تحقيق أحلامهما. لكن ردّ سائق التاكسي بارد وصريح: “أحلامكما ستنتظر”. مشاهد كهذه مضحكة مبكية، لكنها في الوقت نفسه تُجسّد الذين يتخلّون عن أحلامهم للبقاء. ليسوا أخياراً ولا أشراراً، بل موجودين كغيرهم.

أبدعت أمل قلاتي عملاً جديداً، عفوياً وصريحاً، ومشحوناً بخيبة الأمل. الانتقال إلى مرحلة البلوغ يعني دائماً فقدان أحلام الشباب، لكن، في حالة تونس، يتزامن هذا العبور المضطرب والقاسي مع هجرةٍ، يتبيّن أنها أبعد ما تكون عن فرصة، وعن تحقيق الأحلام. إنّها حالة جديدة من الجمود.