تستعد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتصعيد حملتها ضد الهجرة في الولايات المتحدة عقب الهجوم المسلح، الذي استهدف عنصرين من الحرس الوطني قرب البيت الأبيض، عبر إجراءات جديدة تهدد ملايين المهاجرين الشرعيين بالترحيل، وإضافة دول جديدة من “العالم الثالث” إلى قوائم البلدان التي يُحظر على رعاياها الهجرة إلى أميركا.
بعد أيام من الهجوم المسلح، الذي نفذه لاجئ من أفغانستان، أعلن ترمب عزمه على “تجميد الهجرة بشكل دائم من كل دول العالم الثالث”، فيما وجه دائرة خدمات الهجرة والجنسية بالتدقيق في أوضاع المقيمين بأميركا القادمين من 19 دولة. لكن ما الذي تعنيه هذه القرارات عملياً؟ وهل يمكن للرئيس تنفيذه بسلطته التنفيذية فقط؟ ومن هي الدول المرجّح أن يشملها التجميد؟
المسار من منشور على منصة “تروث سوشيال” إلى سياسة قابلة للتطبيق يمرّ بعدة مستويات قانونية وإدارية، تتداخل فيها صلاحيات البيت الأبيض مع دور الكونجرس، والمحاكم الفيدرالية.
اتفق خبراء أميركيون في حديثهم لـ”الشرق”، على أن إدارة ترمب قد تستند على الأوامر التنفيذية لتطبيق هذه الإجراءات الجديدة دون الرجوع إلى الكونجرس، بسبب الانقسام وسط المشرعين الذي لا يسمح بتمرير تشريعات كبيرة بشأن الهجرة، فيما يرجحون أن تواجه هذه الإجراءات تحديات قضائية.
ما هي دول العالم الثالث المُرجح استهدافها؟
حتى الآن، لا توجد قائمة رسمية جديدة لما يسميه الرئيس “دول العالم الثالث”. لكن مجلة “نيوزويك”، تشير إلى أن نقطة البداية ستكون على الأرجح قائمة الدول التسع عشرة التي شملها الإعلان الرئاسي ليونيو الماضي، والتي تفرض على بعضها حظراً كاملاً للدخول، وعلى بعضها الآخر قيوداً جزئية على أنواع محددة من التأشيرات.
وتضم هذه الدول أفغانستان، وهايتي، وإيران، وليبيا، والصومال، والسودان، واليمن، والكونغو، وتشاد، وميانمار، وغينيا الاستوائية، بالإضافة إلى دول أخرى تخضع لقيود جزئية مثل كوبا، وفنزويلا، ولاوس، وسيراليون، وتوجو، وتركمانستان، وبوروندي.
وتقدّر “نيوزويك” عدد حاملي البطاقات الخضراء من هذه الدول بنحو 3.3 مليون شخص داخل الولايات المتحدة.
غير أن الكاتب السياسي، فيرجوس هودجسون، يرى أن القائمة قد لا تكون متجانسة تماماً، وقد تكون أوسع بكثير عن قائمة الـ19 دولة المشمولة بقيود السفر.
وقال هودجسون في حديثه لـ”الشرق”، إن الدول المستهدفة بشكل عام ستكون تلك التي “تعتبرها قاعدة ترمب الانتخابية أقل توافقاً مع القيم الأميركية”، موضحاً أن ذلك “يشمل الدول الأقل ارتباطاً بالمسيحية، أو الأكثر ميلاً إلى الاشتراكية، أو الأقرب إلى الصين أو الشيوعية”.
كما أشار إلى أن هذه القائمة قد تضم أيضاً الدول التي تسجّل نسباً مرتفعة من تجاوز مدة التأشيرة، أو يُنظر إليها في الخطاب السياسي على أنها مصدر محتمل للجريمة أو الإرهاب أو الاعتماد على الإعانات الاجتماعية”.
كيف يمكن لترمب تجميد الهجرة من هذه الدول؟
وفي ما لم يحدد ترمب كيف سيترجم “التجميد الدائم” للهجرة من دول العالم الثالث إلى قرارات تنفيذية، يرجح خبراء أن “يستند ترمب إلى سلطات الرئيس بموجب المادة 212(f) من قانون الهجرة، التي تخول للرئيس تعليق دخول فئات من الأجانب، إذا اعتبر ذلك “مضرّاً بمصالح الولايات المتحدة”.
هذه المادة كانت الأساس الذي استند إليه ترمب في ولايته الأولى لفرض قيود على دخول مواطني دول ذات أغلبية مسلمة، قبل أن تُعدَّل الصيغة لاحقاً بعد معارك قضائية طويلة.
المحامي المتخصص في قضايا الهجرة أحمد يقظان يوضح لـ”الشرق” أن الرئيس لديه “سلطات شبه مطلقة في الحد من الدخول إلى الولايات المتحدة من خارج الحدود”، لكنه يضع قيداً أساسياً على هذه الصلاحيات.
وأضاف: “لا يمكن للرئيس أن يلغي الهجرة هكذا بإرادة سياسية فقط، يجب أن يكون هناك أساس قانوني واضح لسبب تقييد أو منع فئة معينة من المهاجرين”.
وذكر يقظان أن “حظر السفر” في الولاية الأولى واجه مشكلات دستورية عديدة، وأن الإدارة اضطرت إلى تعديله أكثر من مرة لإقناع المحكمة العليا بأنه يستند إلى اعتبارات أمنية، وليس إلى تمييز ديني أو عرقي، معرباً عن اعتقاده بأن أي تجميد شامل للهجرة من “دول العالم الثالث” سيواجه الاختبار نفسه، “وستضطر الإدارة أن تثبت للمحاكم أن المؤشرات الأمنية كافية لتبرير هذا التجميد”.
ماذا عن المقيمين داخل الولايات المتحدة؟
وبالإضافة إلى تجميد الهجرة من دول العالم الثالث، أعلنت دائرة خدمات الهجرة والجنسية الأميركية أنها ستجري “إعادة فحص شاملة” لوضع حاملي الإقامة الدائمة القادمين من الـ19 دولة، التي أُدرجت في إعلان سابق للبيت الأبيض بسبب”قصور في تبادل المعلومات الأمنية أو ارتفاع نسب تجاوز مدة الإقامة”.
ووفق تقديرات “نيوزويك”، فإن نحو 3.3 مليون مقيم دائم في الولايات المتحدة ينتمون إلى هذه الدول، ما يجعل أي مراجعة واسعة ذات أثر مباشر على ملايين الأفراد والأسر.
ويرى خبراء أن إلغاء تأشيرات هؤلاء الرعايا الموجودون بالفعل على الأراضي الأميركية، والذين يحملون إقامات دائمة قد يواجه تحديات قضائية أكبر من قرار تجميد الهجرة من دول العالم الثالث.
فالخط الفاصل، قانوناً، يمرّ عند نقطة الدخول إلى الأراضي الأميركية. فمن هو خارج البلاد يمكن منعه من الحصول على تأشيرة أو دخول الحدود بقرار تنفيذي أو توجيه إداري، أما من هو داخل الولايات المتحدة ويتمتع بإقامة دائمة أو وضع قانوني آخر، فله حقوق دستورية لا يمكن تجاوزها بسهولة.
يقول أحمد يقظان إن “الشخص الذي يحمل بطاقة خضراء داخل الولايات المتحدة لا يمكن سحب إقامته منه بقرار إداري، بل “يحتاج الأمر إلى مسار قضائي كامل أمام قاضٍ مختص، وعلى الحكومة أن تثبت وجود سبب قانوني قوي، كارتكاب جريمة خطيرة أو احتيال في ملف الهجرة”.
أما المهاجر الذي ما زال خارج الولايات المتحدة، فيجد نفسه، بحسب يقظان، أمام مساحة أوسع من حرية الحركة للإدارة الأميركية، بسبب ما يعرف بمبدأ “عدم قابلية القرارات القنصلية للمراجعة القضائية”، والذي يجعل الطعن في قرار سفارة برفض تأشيرة أمراً بالغ الصعوبة.
ومع ذلك، يؤكد أن الرئيس “يبقى ملزماً بتقديم مبرر قانوني لقراره، ولا يستطيع إصدار حظر شامل على أساس وصف فضفاض مثل الانتماء إلى دول العالم الثالث”.
هل يتدخل الكونجرس؟
الخبير في الشؤون الحكومية، جيف لي، يرى أن البيت الأبيض “يمتلك هامشاً واسعاً للتحرك في ملف الهجرة”، دون الحاجة إلى الرجوع إلى الكونجرس.
ويقول لي لـ”الشرق” إن الإدارة “ستتحرك سريعاً بعد عطلة نهاية الأسبوع لإعادة فحص الإجراءات، خصوصاً في ما يتعلق بملفات البطاقات الخضراء واللاجئين وطالبي الإقامة طويلة الأمد”.
ويتوقع أن تشمل المراجعة أفغان دخلوا عبر برامج خاصة، وملفات لاجئين سُوّيت أوضاعهم في عهد الإدارة السابقة، إضافة إلى الطلبات المعلقة.
مع ذلك، يشدد لي على أن المسار لن يمر من دون تحديات قضائية، مضيفاً: “السؤال سيكون: إلى أي مدى ستسمح المحاكم للرئيس بالذهاب بعيداً في إعادة تعريف من يُسمح له بالدخول ومن يُمنع، خاصة عندما يتعلق الأمر بطالبي اللجوء واللاجئين، حيث توجد سوابق واتفاقيات دولية واضحة”.
في ما يتعلق بالكونجرس، يتوقع لي أن يبقى دوره محدوداً في هذه المرحلة، قائلاً إن “الانقسام الحزبي في المجلسين يجعل من الصعب تمرير تشريعات كبيرة في ملف الهجرة، ما يدفع الإدارة للاعتماد بالكامل تقريباً على الأوامر التنفيذية، والتوجيهات الإدارية إلى أن تتدخل المحاكم”.
هل نحن أمام “عقاب جماعي”؟
في المقابل، حذّر منتقدو الخطوة من خطر تحويل جريمة فردية إلى أساس لسياسة تشمل ملايين الأشخاص.
ووصفت افتتاحية لصحيفة “وول ستريت جورنال” اتجاه الإدارة بعد الهجوم بأنه “يقارب العقاب الجماعي” ليس فقط للأفغان، بل لكل من تصنفهم الإدارة تحت عنوان “دول العالم الثالث”، إلى جانب الأميركيين الذين يسعون لجلب أقاربهم عبر مسارات الهجرة القانونية.
كما نقلت “نيوزويك” مراجعة أكاديمية تؤكد أن معظم الدراسات لا تجد دليلاً على ارتفاع معدلات الجريمة في الأحياء ذات الكثافة العالية من المهاجرين مقارنة بغيرها، في إشارة إلى أن الربط المباشر بين الهجرة والجريمة لا يستند إلى قاعدة بيانات صلبة.
ويعتمد البيت الأبيض في خطابه على فكرة أن النظام الأميركي “مثقل بعبء اللاجئين”، وأن التجميد يسمح “بتعافي النظام”، كما جاء في منشور ترمب.
