يغفل معنيون بقياسات الرأى العام وتحوّلات المجتمع المصرى ما جرى فى آخر حفلات العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ فى ربيع 1976، عندما اشتبك مع جمهوره فى أمسية خصصها لغناء رائعته الجديدة «قارئة الفنجان»؛ قصيدة نزار قبانى وألحان محمد الموجى. وصل الغضب مداه عندما أدرك «حليم» أنه فقد جمهوره، وأن اختياراته لم تعد تطربهم، فسخروا من قصيدته الجديدة، وفنه الأصيل.
تدهور صحة «حليم» ثم وفاته فى لندن عام 1977 حرمنا من قراءة مبكرة لطالع ومستقبل الفن المصرى، وفهم انحراف بوصلته وذائقته فى خضم تحولات السبعينات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التى بدأت قبل نصف قرن ولا تزال تحاصرنا بثمارها المشوهة حتى اليوم.
التقط المبدع الكبير وعميد الدراما العربية أسامة أنور عكاشة هذا التحول الجذرى فى المجتمع المصرى، ورصده ببراعة فى مسلسله الهام «الراية البيضا»، الذى عرض لأول مرة سنة 1988، وكان الصراع قد بلغ أشدّه بين فريق الأصالة والتراث، وجسّده فى المسلسل الدكتور مفيد أبوالغار ومؤيدو حقه فى الحفاظ على فيلته: الصحفية أمل صبور ووالدها، والفنان هشام أنيس ووالده، والشيف مطاوع وحفنة من المصريين الطيبين الذين أدركوا قيمة المعركة وأهميتها، فناضلوا فى مواجهة تيار العشوائية والقبح بزعامة الحاجة فضة المعداوى، التى دهست بسيارتها (التمساحة) الجدار الأخير للوطن، لتشيّد لنفسها ولأعضاء فريقها وطناً جديداً يتماهى مع ذوقهم الردىء.
قبل أيام، صادفت إعادة عرض المسلسل على شاشة (dmc دراما). ومع كل مشاهدة جديدة لهذا العمل أتيقن أنه الوثيقة الأكثر صدقاً لوصف التحولات الخطيرة التى حدثت فى بلادنا.
استوقفنى فى إحدى الحلقات، مؤتمر جماهيرى نظمه المحامى الفاسد أبوطالب ليقدم فضة للمجتمع السكندرى باعتبارها راعية الثقافة، وتعلن فيه الخبر العظيم؛ تدشين مدينة «سمحة» للفنون.
وسمحة بنت الشاطر، هى ابنة فضة المدللة، الثرية القبيحة، التى لا تعترف إلا بلغة المال، يحكمها جهل وأنانية وغرور لا مثيل لها. فكانت نموذجاً حياً لمنتجات هذا العالم الشهوانى الشره، الذى اكتسح كل شىء فى طريقه، ورسخ وجوده بدوائر فساد متداخلة أشبه بخيوط العنكبوت، متاهة «فضة» التى أخفت فيها سوابقها وجرائمها فى فضاء هذا الاقتصاد الخفى الذى تضخمت فيه ثروتها ونفوذها هى وأبناؤها.
فى ذروة المشهد، ينتزع السفير السابق مفيد أبوالغار الميكروفون ليدافع عن حقه ويكشف همجية فضة وبلطجتها، وفساد طموحها بامتلاك فيلته، ليطلق صرخته: «عايزه تحول التاريخ والفن لأكلة صيادية»، فترد فضة بلا خجل: «ما لها الصيادية فتحت بيوت وربّت رجالة».
بعد 37 سنة من عرض المسلسل الشهير، الذى انتهى بهزيمة أبوالغار وفريقه ورفعهم الراية البيضا، راية الاستسلام أمام فضة وعصابتها، كان هذا جرس الإنذار الأخير الذى لم تسمعه الدولة، ولم تنتبه وتتدخل لمنع الكارثة أو تصحح مسار المجتمع الذى كان يتأهب لرحلة ضياع وفقدان للهوية والوعى، مفرطاً فى قيمه وأصوله، عارضاً كل شىء للبيع فى أسواق وُصفت خداعاً بأنها (حرة)، بينما كانت أبواباً جديدة للعبودية والاستعمار.
لقد هدم أبناء الشاطر وفضة فيلا أبوالغار، وبنوا مكانها «كمبوند» ثم كمبوندات، أعادت تشكيل الحياة وفق ثقافة مفككة. ثقافة أسس لها خريجو مدينة «سمحة للفنون»، من مبدعى أغانى المهرجانات إلى صناع دراما الاستروكس.
فيما تمدّد نفوذ سمحة الشاطر ليشمل التعليم والإعلام أيضاً، فظهرت أجيال من الصحفيين والدعاة والمفكرين «الجدد»، وصارت معهم موضة «التجديد» السبيل لمسخ العقل المصرى، ساعدتهم موجات العولمة، والفوضى الخلاقة، وصولاً إلى السوشيال ميديا وعالم التريندات، الذى جعل «أم شيماء» نموذجاً لنجومية اللحظة؛ وريثة «سمحة» وخالدة الذكر أمها الست فضة.
اليوم، عندما نتساءل عن الذوق العام وتوجهات الرأى العام، لا نجد رابطاً بين المجتمع سوى… فساد الذوق.
ولذلك يرتعب البعض من أى محاولة لتغيير «قواعد الفن الحالية»، لأنها ببساطة تمثلهم وتعبر عنهم حتى النخاع.
هل يمكن أن نعود بالزمن للوراء، وننقذ الدكتور مفيد أبوالغار وفريقه، ونمنع سمحة وأمها من نشر (زفارتهم) وترسيخ ثقافة «الصيادية»؟
مجرد تخيل هذا السيناريو قد يكون الخطوة الأولى لهدم ذاك البرج الملعون (الكمبوند الفخم) الذى بناه أبناء الشاطر، ثم إعادة تشييد (فيلا الشعب) لصاحبها أسامة أنور عكاشة أو حسن أرابيسك أو بشر عامر عبدالظاهر أو أبوالعلا حامد البشرى أو أى واحد بيحب مصر.