تقدم المخرجة اللبنانية لانا ضاهر في فيلمها Do You Love Me، ذاكرة لبنان السمعية والبصرية المجزأة، في عمل أرشيفي يغوص بحميمية في ذكريات بيروت من خلال لقطات مُكتشفة (أفلام، برامج تلفزيونية، فيديوهات منزلية، موسيقى، وصور فوتوغرافية)؛ ليقدم الآثار الحميمة لبلد تشكلت فيه دوراتٌ متكررة من الفرح والمقاومة والعنف والفقد.
الفيلم شارك ضمن مسابقة أسبوع النقاد في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في نسخته 46، وشارك لأول مرة في مهرجان فينيسيا السينمائي في دورته الأخيرة.
بيروت المظلمة
تعيد المخرجة اللبنانية لانا ضاهر بناء تاريخ مقسم، في بلد يفتقر إلى أرشيف وطني، كوسيلة لحفظ الذاكرة، واستعانت بأعمال فؤاد الكوري الذي ملأ جزءاً من الفجوة الهائلة التي ابتليت بها الفنون البصرية في البلاد لفترة طويلة جداً.
قدم الكوري مراراً وتكراراً موضوع بيروت، المدينة التي يرى من خلال تناقضاتها المليئة بالصراعات سبباً في شحذ بصره، وبالتصوير الفوتوغرافي التقط صوراً لبيروت خلال الجزء الأول من الحرب الأهلية اللبنانية، وترك بصمته الأولى مع نشر بيروت المظلمة، وهي مجموعة من عشرات الصور التي توثق الأحداث اليومية للعاصمة المدمرة آنذاك.
تعكس هذه اللقطات الأولية للمدينة لحظات سريالية من التناقض وسط تحطيم الأيقونات في الحرب، بصور تميزت بشاعريتها البصرية، بفضل ما أظهرته من دلائل على التدمير العشوائي لصورة بيروت العالمية، مع إبراز الأرضية المهتزة التي استندت إليها هذه الأوهام.
تركيبات مزقتها الحرب
ثمة تركيز على مشاهد اجتماعية متنوعة، مُمثلة بذلك تمريناً حاسماً في كيفية انعكاس الفضاء، في خضم الجمود السياسي، مع تنوع الصور، وفي بعض الأحيان تبدو صوره ذاتية، هذا النوع من السرد، الذي يوضع فيه المشاهد داخل مذكرات بصرية من نوع ما، له تأثير مثل تركيبات مزقتها الحرب، حيث يتناول فراغ الطرق المفتوحة والشوارع شبه المهجورة بمنظور عابر.
عملت المساحة الزرقاء الشاسعة للبحر الأبيض المتوسط كتذكير صارخ بالبلد الصغير، إن القرب الذي تم التقاط هذه الصور به ليس مهماً تاريخياً فحسب، بل إنه مزعج عمداً.
هناك مشاهد من سلسلة آثار الحرب، وأخرى من وسط مدينة بيروت، والتي نفذت بعد وقت قصير من نهاية الحرب الأهلية، تمتلك أجزاء مذهلة من السخرية وخيبة الأمل.
هناك عنصر من العفوية في المشاهد، مما يترك للمشاهد أن يتخيل اللحظة الصدفة التي اكتشف فيها إمكانية لقطة قوية، كلب ضال يقترب من فاصل إسمنتي مختوم بكلمة بيروت يمر عبر أرض قاحلة من المدينة، البوابة المعدنية المثقوبة بالرصاص لمتجر في وسط المدينة تعيق رؤية الفنان للمباني المجوفة، مما يخلق تركيبة مقسمة يبدو فيها أن سماء الليل تتغلب على الشوارع المهجورة.
كل صورة تطرح سؤالاً
تظهر روح فيلم “ذكريات ضائعة” (2020) لآيلا هبري، من خلال فيلم Do You Love Me؛ حيث أشكال النقد السياسي أو الاجتماعي الذي يشكك في هياكل السلطة الثقافية أو يتحداها، بالتعاطف والوعي من خلال البحث الجاد وتأطير تركيبات محددة.
كل صورة تطرح سؤالاً، وتزداد بياناتنا البصرية لتكشف الفساد والخلل السياسي في لبنان، ومصادر سخط لا حصر لها، كوسيلة للنقد الاجتماعي والسياسي، يُمكن الشعورٍ بالانزعاج عند مناقشة السياسة بالفن فتفتح حوارات، وتتحدى تركيز السلطة، وتساهم في كتابة التاريخ من القاعدة، من بين أمور أخرى بالغة الأهمية.
أيضاً تجلت روح أفلام مارون بغدادي في فيلم Do You Love Me، وخاصة عمله المميز “همسات”، واستفادت المخرجة من مارون في تعزيز جمالية الصورة وسط الخراب والدمار؛ حيث استطاع مارون القبض على الهدوء وسط المآسي، رغم الصخب والدم وصور شبه حية للحرب الأهلية في لبنان، هنا أمل مرتجى بإيمان قادر على الالتقاط من وسط الأراضي المحروقة والضيع المهدمة والوجوه المشوهة والمخلوقات المشردة.
أنقاض بيروت
إننا هنا أمام حب لا ينتهي لبيروت، كل مشهد ضرب وتراً، مع كاميرا توثيق الحرب الأهلية منذ سبعينات، ومدينة تنزف من دون توقف، إننا أمام رحلة افتراضية، لا تكمن في سردية محددة، بل في سؤال مستقبل لبنان القريب، منذ البداية، يخيم الموت على المكان – ففي تجمع للشباب، يغني الجميع أنشودة حزينة، وتستمر الأغاني على أنغام الموسيقى التصويرية، بينما هناك صوراً لمباني مدينة مُدمرة وشوارع مليئة بالأنقاض.
تتجول الكاميرا في مشهد المدينة المُقفر، متاهة أنقاض بيروت، بينما تلتقط الصور، في لقطة طويلة ومثيرة، عندما تندمج مع ملاحظات الحاضر، تجعل الماضي يبدو أكثر حضوراً؛ مما نراه على الشاشة.
ثمة تأملات مؤلمة وثاقبة يقدّمها الفيلم حول الحرب الأهلية والحياة المدنية، تعكس فكرة جوهرية مفادها أن “بلداً، أمةً، تقف على وشك النهاية”.
وفي بقية الفيلم، تمضي المخرجة في محاولة دؤوبة — بإخلاص وأمل — لنقض هذا التأمل الكئيب، عبر تعليق صوتي يرافق صوراً تراقب بحماس وحزن لبلد جريح، وتصف من خلاله الخوف المختبئ في احتفالاتهم، واليأس الكامن في شوقهم.
تفنّد الموسيقى ذلك الأمل الذي يُعبّر عنه البعض، موضحةً أنه حتى في زمن السلام النسبي لا يمكن مناقشة أسباب الحرب الأهلية وتفاصيلها علناً أو مواجهتها بصراحة، خشية إشعال فتيل عنف جديد، وهذا العجز عن مواجهة القضايا الأساسية يُعد في حد ذاته مصدراً محتملًا لاندلاع قتالٍ متجدد.
واقع مأساوي ومضحك
تمتلئ الشوارع بحواجز الطرق التي أقامها رجال مسلحون، ويغدو صوت إطلاق النار بمثابة الموسيقى التصويرية التي تحيط بحياة المدينة. يحمل المقاتلون رشاشاتهم وقذائفهم الصاروخية في الشوارع، فيما تعج أسطح المنازل بالقناصة. إنه واقعٌ مأساوي ومضحك في آن، تتجلى ملامحه من خلال تحكم دقيق في التفاصيل المقلقة. يصور الفيلم هذه الوقائع بمزيج غاضب وهش من التعاطف الشديد والازدراء الحزين، حيث يلتقي وعي المخرجة وأذنها مع الألم الصارخ الكامن خلف القسوة والعنف.
وتبدو الحرب في فيلم ?Do You Love Me نتيجة مدمرة لرجال يلعبون دور الحرب، فيما يظل خراب البلاد مفجعاً بالقدر نفسه الذي يبدو فيه ساخراً، عالقاً بين الموت والبقاء، وبين رغبة معلنة في أن يكون الفيلم شاهداً لا على الحاضر، بل على الماضي.
*ناقدة فنية
