الدوحة – «القدس العربي»: في ختام واحدة من أكثر الجلسات إثارة للنقاش في مهرجان الدوحة السينمائي 2025، أجمع خبراء وصنّاع سينما عرب تحدّثوا لـ»القدس العربي» على ضرورة أن تتجاوز السينما العربية مرحلة التبعيات والأساليب المستعارة، وأن تشقّ طريقها الخاص عبر بناء نموذج مستقل يستند إلى رواية عربية أصيلة، وبنية إنتاج مشتركة قادرة على خلق صناعة مستدامة وتنافسية.
وجاءت هذه التصريحات خلال جلسة بعنوان «بناء منظومة سينمائية إقليمية مستدامة»، التي تحولت إلى مساحة صريحة لتشخيص واقع الصناعة وطرح رؤى عملية للنهوض بها، في ضوء التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة وازدياد حضور المؤسسات السينمائية من الدوحة إلى عمّان وبيروت وبغداد وتونس وصولاً إلى جدة.

نموذج عربي جديد
والجمهور في قلب المعادلة

محمد الغضبان، ممثل «مؤسسة بغداد للأفلام»، قال لـ«القدس العربي» أن اللحظة التي يعيشها صناع السينما العرب اليوم «فارقة»، مشدداً على أنّ تطوير الصناعة يتطلب التحرر من القوالب الموروثة والانطلاق نحو نموذج إنتاج ينمو من داخل البيئة العربية. وقال: «عندما يقترب المخرج من جمهوره الحقيقي، ويُبنى التمويل على احتياجاته الثقافية والاجتماعية، يصبح في الإمكان خلق مسار إنتاج يرتكز على قواعد محلية ويصل لاحقاً إلى العالمية بثقة ثابتة».

ثورة المنصّات:
المواهب هي نقطة الانطلاق

المنتجة التونسية المخضرمة درّة بوشوشة، مؤسسة «سود إكريتور»، أوضحت أنّ انتقال الجمهور إلى المنصّات الرقمية غيّر خريطة الصناعة وفرض على السينمائيين إعادة قراءة المشهد.
وقالت: «المنصّات أصبحت لاعباً أساسياً في سوق العرض، ومع ذلك تبقى الموهبة هي العنصر الأكثر تأثيراً. نحتاج إلى شراكات تُترجَم إلى مشاريع واقعية، حتى تتمكن الأعمال القوية من الوصول إلى المشاهد العربي الذي ينتظر محتوى صادقاً وجيداً».

بنية إنتاج إقليمية:
ومسارات أكثر سلاسة

ولفت عادل كسيكسي من «الجزيرة الوثائقية» إلى أنّ الصناعة العربية ما تزال تواجه عراقيل قبل انطلاق أي مشروع، نظراً إلى غياب منظومة متكاملة ترافق المخرج منذ الفكرة وحتى وصول الفيلم إلى جمهوره.وأضاف: «إذا توفر إطار إنتاج واضح، ورعاة عرب قادرون على دعم المشاريع، ومسارات ذكية للإنتاج المشترك، يمكن للأفلام القادمة من العالم العربي أن تتحرك بخفة نحو أسواق واسعة وتقدّم رؤية الجنوب بعمق أكبر».

تدريب يعبر بالمواهب إلى الاحتراف

أما رايان أشور من «مؤسسة البحر الأحمر السينمائية»، فاعتبر أن ورش العمل والبرامج التدريبية التي تنتشر في المنطقة تضع أساساً متيناً لمرحلة جديدة من الاحتراف.
وقال: «السينمائيون الشباب يحتاجون إلى تدريب يفتح لهم أبواب التطوير الحقيقي، ويمنحهم أدوات للعمل على مستوى مهني. الإنتاج المشترك هو مساحة لصياغة هوية سردية نابعة من المنطقة، وليس طريقاً سريعاً نحو التمويل».

التعليم والمشاهدة:
جسر يعيد تشكيل الوعي

وفي سياق متصل، أكد عبد السلام الحاج من «الهيئة الملكية الأردنية للأفلام» أن فجوة المشاهدة تعرقل صناعة السينما العربية، إذ إن نسبة كبيرة من سكان المنطقة لا يرتادون صالات العرض.
وأضاف: «نركز على ورش مستمرة تعزز المهارات، ونسعى لإيصال الأفلام إلى القرى والمجتمعات الصغيرة. وحتى يصبح الإنتاج المشترك ممارسة ثابتة، لا بد من إقناع صناع القرار بأن السينما عنصر أساسي في التنمية الثقافية وليست نشاطاً هامشياً».
جاد أبي خليل، ممثل منصة «أفلامنا/بيروت دي سي»، تناول التحدي الأبرز الذي يواجه السينما العربية منذ سنوات طويلة، وهو توزيع الأفلام بعد انتهاء رحلتها في المهرجانات.
وقال: «التوزيع هو العقدة الأصعب في الصناعة. بعد عروض المهرجانات، تختفي معظم الأفلام سريعاً. نعمل على إطلاق برامج تُبقي الإنتاجات العربية متداولة، ونبني جيلاً من المنتجين القادرين على حمل مشاريع طويلة النفس، لأن الاستدامة الحقيقية تبدأ من جذور الإنتاج».

مؤسسات في صعود:
وطموح يفتح أبواب صناعة جديدة

وتحوّلت الجلسة إلى مساحة للحديث عن التطور السريع للمؤسسات السينمائية في المنطقة، مثل مؤسسة الدوحة للأفلام، لجنة الأفلام في المدينة الإعلامية قطر، واستديوهات كتارا، التي أصبحت – وفق المشاركين – قوة دافعة لتأسيس بنية مهنية تمكّن المخرجين العرب من السير في مسارات واضحة، وتعيد ربط الجمهور بالروايات التي تولد من المنطقة.
ورغم أنّ الطريق نحو صناعة سينمائية عربية متكاملة لا يزال طويلاً، إلا أن مداخلات الخبراء تعكس بداية مرحلة جديدة عنوانها: شراكات أوسع، منظومة أقوى، وسينما عربية تعبّر عن ذاتها بلسانها الحقيقي.