روزاليا في باريس، 1 أكتوبر 2025 (هانّا لاسن/ Getty)

في السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، صدر ألبومٌ بعنوان “لوكس” (Lux) للمغنية وكاتبة الأغاني روزاليا ڤيلّا توبيلا، المعروفة فنيّاً باسمها الأول (Rosalia).

وقد مثّل الإصدار، بحسب النقّاد، خروجاً واضحاً عن مألوف أعمالها السابقة، ليس لافتراقه الجذريّ عن ألبوم Motomami فقط، بل أيضاً لتجاوزه الأجناس الموسيقية المألوفة، عبر جَسْرٍ محسوب بين البوب والكلاسيك، في إطارٍ مفاهيميّ يجعل منه عملاً نخبويّاً بطابعٍ طليعيّ (Avant-garde)، يستعيد الموروث الروحاني القديم بقدر ما يدفع نحو التجريبية.

من هنا، يكتسب حضور الآيسلندية بيورك (Bjork) رمزيةً خاصة، ضيفةً على التراك السادس “برغهاين” (Berghain)، وكأنّ الأمر يحمل إقراراً فنياً من الأكثر أڤان-غارديّة في عالم البوب تجاه صوتٍ شابٍ يسير على ذات الدرب في الخروج عن الأطر الإنتاجية التجارية واعتماد الشطحات الفنية الإبداعية.

يشترك إنتاج الاثنتين في سِماتٍ واضحة: العَبْر-مناهجية، والفرادة حتى الغرائبية، والابتعاد عن السائد الاستهلاكي، سواء شكلاً ومضموناً، أو في الأداء السمعي والبصري الذي يدمج الرمز بالصوت والصورة في منتج فنّي واحد.

يبرز في “لوكس” أيضاً سَبْرُ مواضيعَ غيبيّة ذات جذورٍ فكرية وطقسيّة تتجاوز الحداثة، إمّا بالنكوص إلى ما قبلها، زمن الوثنية الأوروبية والمسيحية المبكّرة، وإمّا بالوثوب نحو ما بعدها.

من هذه الزاوية، لا يأتي استخدام الكلاسيك، بمشاركة فرقة لندن السيمفونية في تسجيل التراكات، بوصفه أثراً صوتيّاً لحقبة التنوير، بل عنصراً تشكيليّاً لصوغ مشهديّةٍ قوطيّة (Gothic) و”عابرة للتاريخ” (Hyper-historical) في آنٍ واحد.

يظهر هذا الدور التشكيلي العبر-مناهجي جليّاً في الفيديو المصوَّر لـ”برغهاين”؛ إذ تلتقط الكاميرا صورة روزاليا لحظة دخولها الشقّة المعتمة عبر مرآة مُجزّأة السطح، في دلالةٍ سينمائية-سيكولوجية على انقسام الذات بين ظاهرٍ وباطن. وما إن تُفتح الستائر حتى يفيض النور في الغرفة، وتظهر معه مجموعة الآلات الوترية كما لو كانت أرواحاً احتشدت في المكان واختفت عنه ريثما ينقشع الضوء. موسيقياً، يُذكّر مقطع الافتتاح بجُملٍ باروكية تستند إلى تنقّل هارموني ديناميكي ولونٍ وتريّ مضخّم بالصدى، يمنح المقطوعة مظهرها التاريخي.

عند الثانية الخمسين، تنضم جوقة ذات رنينٍ كنسيّ، تؤدّي مقطعاً بالألمانية: “خوفه خوفي، غضبه غضبي، حُبّه حُبّي، دمه دمي”، في جمعٍ بين الغراميّ واللاهوتيّ، بين العاطفة البشرية والتجلّي الروحي.

يستمر بناء الازدواجية عبر تصوير روزاليا وهي تؤدّي مهامّ المنزل اليومية، فيما تعمل الموسيقى الباروكية والكورال بوصفهما صوتاً داخلياً لعالَمٍ موازٍ محجوبٍ عن الواقع، في لغة موسيقية سينمائية تُذكّر كثيراً بالفيلم الشهير للمخرج البولندي كريستوف كيشلوفسكي، “الحياة المزدوجة لفيرونيكا” سنة 1991 وموسيقاه التصويرية التي ألفها مواطنه زبغنيڤ پرايزنر.

وعند الدقيقة 02:25 يأتي صوت بيورك ليكسر الإيحاءات الدينيّة ويقدّم الرسالة مباشرةً: “ذلك تدخّلٌ إلهيّ…”. هنا يلتقي الرمز بالقصد، ويغدو النصّ نفسه إعلاناً روحياً محمولاً على المادة الموسيقية، يرافق مشهد روزاليا وهي تؤانس الحيوانات في إشارة إلى وحدة الوجود.

وعلى الرغم من الرموز الوثنية والمسيحية المنتشرة في جماليات “برغهاين” وعموم تراكات الألبوم، تحافظ الأغنية على خطابٍ كونيّ يتخطّى الهويّات، يظهر في كتابتها للنصوص بـ13 لغة، من بينها العربية والعبرية والصينية.

ثم يأتي التقسيم المفاهيمي للألبوم إلى أربع حركات ليعزّز طابعه القروسطيّ؛ إذ تتناول، بحسب مراجعة صحيفة لوموند، الطهارة والجاذبية والرحمة والوداعة. لكنّ هذا التربيع لا يعود إلى قوالب موسيقى الكلاسيك، بل يستعيد أيضاً الأركان الأربعة التي صاغت فهم الإنسان للكون منذ اليونان القديمة: التراب والنار والماء والهواء التي تحوّلت إلى أركان الوجود لدى المتصوّفة الإبراهيميين في العصور الوسطى، بعد أن تحوّرت لتكتسب مسمّيات لاهوتية.

تجمع الأغنية الختامية للألبوم، والمعنونة “ماغنوليا” (Magnolia)، بين مضامين الأركان الأربعة، مع حفاظها في الوقت ذاته على لبوسٍ عصريٍّ خالص من طراز بالاد البوب الشاعري الرقيق. وتحضر الموسيقى الكلاسيكية عبر صوت الكلارينيت المنفرد المتأثّر بالأسلوب الترتيلي (Recitativo)، الذي يرافق مونولوغاً غنائياً تؤدّيه روزاليا بقدرٍ عالٍ من الحساسية والمَهارة التقنية.

يحتجب التيار الروحي الساري في التراكات السابقة خلف كلمات الأغنية، فلا يظهر إلّا من وراء ستارةٍ شعرية رقيقة توحي بحوارٍ بين عشيقين، ومشهدِ حفلٍ صاخبٍ يتداخل بطقوس دفنٍ أعقبت حادثاً أودى بحياة أحدهما، حيث تنادي الضحية، إثر فراقها الحياة والحب الأرضي، بأن يُنثَر عليها زهرُ الماغنوليا.

ترمز شجرة الماغنوليا، في المعتقد الصيني القديم، إلى الطهارة، كما ترمز عند اليابانيين إلى الطبيعة. ومن هنا فإنّ عودة الجسد إلى التراب، منثوراً عليه الماغنوليا، تُعيد له نقاءه عند الولادة وتَعِد في الوقت نفسه بإعادة بعثه، تماماً كما تظهر الزهرة مع حلول الربيع.

وعند الدقيقة 01:40، وبعد مقطعٍ غنائيٍّ بوليفوني متعدد الأصوات ومُعَدّ إلكترونياً، تُسمَع أجراس الكنائس، وعلى إثرها يتّخذ المونولوغ منحى تصعيديّاً، فيما تتغيّر البيئة الصوتية المصاحبة لتكتسب عمقاً مهيباً ثلاثيّ الأبعاد. كلّ ذلك يمهّد للذروة الخلاصية التي تأتي عقب استعادة اللازمة، حين تُنشد روزاليا: “الإله ينزل، وأنا أصعد، لنلتقي في الوسط”.

بذلك، تبدو روزاليا في لوكس كمن تفتّش عن مسعى إيمانيّ جديد، يستند إلى جذورٍ مسيحية بحكم البيئة، لكنه ينفتح على روح عصرٍ لا تزال العالمية والعلمانية فيه تخيّم على الرؤى والأفكار.

ومن ثمّ لا يعود الرمز القوطيّ أو الوثنيّ المسيحيّ سوى دالٍّ (Signifier) على رغبةٍ معاصرة مُلحّة في “إعادة السحر إلى العالم” في زمنٍ تتزايد فيه مظاهر الافتقار إلى المعنى وتتردد الأسئلة عن الجدوى من الوجود، خصوصاً لدى الأجيال الشابة؛ فيجري البحث الفكري والفنّي الحثيث عن ممارساتٍ وطقوسٍ بديلة خارج المؤسّسات الدينية التقليدية، تصل الحياة بالأرض ومن وما عليها، بقدر ما تصلها بما فوقها من سموات.