لطالما أظهرت التجارب التاريخية أن المنظومة الصهيونية التي بني على أساسها كيان الاحتلال الإسرائيلي لا تتردد في استخدام أي وسيلة لتعزيز مصالحها السياسية والأمنية والحفاظ على المباني التي قامت عليها وترسيخ صورة اليهود على أنهم “ضحايا في الشتات” ويتعرضون لكافة ألوان الأذى لذا من حقهم أن يكون لديهم دولة خاصة تجمعهم و”تقيهم شر المجتمعات والشعوب الأخرى”. حتى لو كان من ضمن تلك الوسائل استهداف اليهود أنفسهم داخل فلسطين المحتلة أو في الدول حيث يقيمون. ما يبدو للبعض غير منطقي أو مستبعد، على مبدأ أن “إسرائيل لن تستهدف أبنائها” لكنها بلى ستفعل إذا وجدت في ذلك مصلحة. وهذا يعكس في الواقع العقلية الإسرائيلية التي تقوم على السيطرة المطلقة وتحقيق الأهداف مهما كان الثمن، بما في ذلك التلاعب بالجاليات اليهودية خارج حدود الكيان.
الهندسة المدبرة للحوادث
وفقًا لرئيس هيئة الأركان الإيرانية، الجنرال عبد الرحيم موسوي، يتعمد النظام الصهيوني أحيانًا هندسة حوادث قتل لأفراد الجاليات اليهودية في الخارج، وذلك بهدف منع هجرة اليهود من فلسطين المحتلة، وإبقاءهم ضمن دائرة النفوذ والسيطرة. فمن خلال هذه الحوادث المدبرة، يسعى الاحتلال إلى تصوير البقاء في الكيان على أنه الملاذ الآمن الوحيد، وهو تكتيك مزدوج الغاية: تحجيم أي تفكير بالرحيل، وخلق حالة دائمة من الخوف لدى اليهود في الشتات، ما يتيح للقيادة الصهيونية فرض سياساتها دون معارضة حقيقية. خصوصاً في الفترة الأخيرة بعد ارتفاع معدلات الهجرة بشكل كبير للمستوطنين الإسرائيليين وأصبحوا ينظروا إلى الكيان وكأنه يحد حياتهم ولا يمكنهم الاستمرار بالعيش فيه.
هذه الاستراتيجية تظهر بوضوح العلاقة بين محاولته لضبط الأمن الداخلي وتحسين الصورة الخارجية له وشراء التعاطف معه. إذ أن أي حادث يُظهر اليهود كضحايا، يعزز الخطاب الدولي الذي يروج لفكرة “معاداة السامية”، بينما في الواقع تُستخدم هذه الأحداث كأداة ضغط للحفاظ على سيطرة الاحتلال على الداخل الذي بدأ يظهر عليه معالم الانقسام، وخلق بيئة مثالية لتبرير السياسات القمعية المتزايدة ضد الفلسطينيين من تدمير منازل وتهجير واعتقال وقتل..
فضائح تكشف النهج
تاريخيًا، هناك حالات عديدة يمكن الاستناد إليها لتوضيح هذا النهج المتبع. من أبرزها فضيحة لافون في مصر (1954)، حيث كشف تحقيق رسمي عن تورط جهاز الاستخبارات الإسرائيلي في محاولات تفجير منشآت تابعة للولايات المتحدة وبريطانيا ومواقع تابعة للإسرائيليين في القاهرة، بغرض توجيه التهم إلى أطراف أخرى وخلق بيئة سياسية تخدم مصالح “إسرائيل” ومطالبها آنذاك. وأظهرت العملية بوضوح استعداد الاحتلال للقيام بأي عمل ضد أي دولة أو جماعة أو جالية. وهذا فعلياً يظهر في كل مرة تقوم فيها “إسرائيل” بعمل عسكري أو أمني دون أخذ اعتبارات لأي علاقة أو ربط بين المستهدف والكيان وإن كان المستهدف من “أقرب المقربين” للاحتلال.
كما تشير الوثائق التاريخية إلى عمليات أيضاً في أوروبا خلال السبعينيات والثمانينيات، حيث وقعت هجمات على أفراد يهود في باريس ودول أخرى، واتهمت بعض التحقيقات لاحقًا أجهزة استخبارات إسرائيلية بالتواطؤ أو على الأقل المعرفة المسبقة بهذه الهجمات وعدم منعها نظراً لأنها ستحقق مكسباً لـ “إسرائيل”. كذلك كشفت العميلة السابقة في جهاز الاستخبارات البريطاني، آني ماكون، أن جهاز الموساد الإسرائيلي قام بتفجير السفارة الإسرائيلية في لندن كعملية مدبرة (علمية مزيفة)، وتم إلقاء اللوم على الفلسطينيين آنذاك. هذا المثال يعكس بوضوح عقلية الاحتلال التي لا تتردد في تنفيذ عمليات ضد مصالحها أو مؤسساتها الخاصة إذا كانت تلك العمليات تخدم أهدافها السياسية أو الأمنية، وتبرز مرة أخرى مدى استعداد الكيان لاستخدام أي وسيلة، حتى ضد نفسه، لتحقيق مصالحه والسيطرة على الرأي العام الدولي.
تكريس خطاب الضحية
توظيف هذه الهجمات أيضًا يساهم في ترسيخ ما يسميه الاحتلال “معاداة السامية” ويتذرع به، وهو خطاب يعتمده الاحتلال يركز على تبرير سياساته الإقليمية وإخفاء جرائمه ضد الفلسطينيين. عبر تصوير اليهود كضحايا مضطهدين، يستطيع الكيان تمرير استيطانه، وحصاره، وعملياته العسكرية على أنها “دفاع عن النفس”، في حين أن الواقع يؤكد أن هذا التصوير جزء من استراتيجياته الكبرى في السيطرة والتلاعب بالوعي الجماعي.
ما تقدمه هذه الوقائع والتصريحات يوضح أن الاحتلال الإسرائيلي لا يتردد في تجاوز كل الحدود الأخلاقية، حتى إذا كان ذلك يعني الإضرار بمستوطنيه أو الجاليات اليهودية خارج الكيان. فالعقلية التي تحكم هذا الكيان هي عقلية توسعية تقوم على مبدأ أن “يد هذا الكيان لا يكبلها شيء، ولا يحدها أي سقف”.
