Published On 30/12/202530/12/2025
|
آخر تحديث: 18:54 (توقيت مكة)آخر تحديث: 18:54 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
بدأ مؤخرا عرض فيلم “خريطة رأس السنة” في هدوء لافت، وبدعاية جاءت متأخرة إلى حد أن كثيرين لم يكونوا على علم بوجود الفيلم من الأساس.
“خريطة رأس السنة” هو الفيلم الأول للمخرج رامي الجندي، وتأليف يوسف وجدي، ويشارك في بطولته ريهام عبد الغفور، ومحمد ممدوح، ومصطفى أبو سريع، وأسماء أبو اليزيد، وهنادي مهنا، إلى جانب الطفل آسر.
خريطة رأس السنة فيلم مصري بلغة أجنبية
منذ اللحظة الأولى يضع “خريطة رأس السنة” متفرجيه أمام إحساس واضح بالغربة، فعلى الرغم من كونه فيلما مصريا، فإن أحداثه كلها مصوّرة في دول أوروبية مختلفة، ومعظم الحوارات باللغة الإنجليزية. فيبدو إلى حد كبير كما لو أنه فيلم أجنبي مترجم إلى العربية، لكن أبطاله ممثلون مصريون معروفون.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
هذا الاغتراب لا يقتصر على المكان أو اللغة فحسب، بل يمتد إلى كل ما يتصل بالفيلم، الذي يضع المتفرجين في حالة تساؤل منذ البداية: هل نحن أمام فيلم مصري بالفعل، أم تجربة أوروبية بوجوه مصرية؟ وهو أمر يتطلب من المشاهد وقتا وجهدا للدخول إلى عالم الفيلم والتصالح مع منطقه.
قصة الفيلم هي الأساس لهذا الشعور بالغربة، إذ يبدأ بالطفل نور (آسر)، الذي تقرر والدته سارة (هنادي مهنا) إلحاقه بمدرسة داخلية أوروبية، ومن هنا يتتبع العمل حياة نور داخل المدرسة الجديدة، وطريقة اندماجه في المكان، وتفاعله مع المدرسين والطلاب.
يأخذ الفيلم وقته في رسم عالم المدرسة، مع تركيز واضح على تقديم نور بوصفه طفلا مميزا وذكيا ومختلفا عمن حوله، وهو ما يظهر في نظرة المدرسين له وطريقة تعامله مع البيئة الجديدة. ومنذ البداية يبدو واضحا أن نور هو محور الحكاية، وأن كل ما سيأتي لاحقا سيُبنى على شخصيته، غير أن هذا التمهل في رسم بيئة المدرسة لا يتلاءم مع طرح هذه البيئة خلف ظهر الفيلم في المشاهد التالية، عندما يتحول إلى فيلم كريسماس ذي طابع أميركي واضح.
تمتلك أفلام الكريسماس سمات واضحة وسهلة التعرف عليها، فيغلب على باليتة ألوانها الأحمر والأخضر والألوان القوية والدافئة، بالإضافة إلى الزينة والأضواء والموسيقى ذات الطابع الاحتفالي، وشعور عام بالمحبة والألفة والدفء، حتى إن كانت القصة نفسها مليئة بالأزمات. هذا النوع السينمائي يراهن دائما على نجاحه المرتبط بموسم نهاية العام، ومن أشهر الأفلام التي تنتمي إلى هذا النوع “وحدي في المنزل” (Home Alone) و”ذا غرينش” (The Grinch)، وغيرها من الأفلام الأميركية الشهيرة.
ألفة الجمهور لأفلام الكريسماس لا تقلل من إحساس الغربة في “خريطة رأس السنة”، فأن يكون لدينا فيلم كريسماس مصري مصوّر بالكامل خارج مصر، وتُقال حواراته بالإنجليزية، يضع المتفرج في حالة ارتباك: هل يشاهد فيلم كريسماس أجنبيا، أم فيلما مصريا؟ أم تجربة معلقة بين الاثنين؟
رحلة كريسماس وجمهور مستهدف غائب
يقرر نور، على غرار كثير من أفلام الكريسماس، خوض رحلة ذات بعد إنساني وعاطفي واضح، هدفها محاولة إعادة التواصل مع والدته التي تركته في المدرسة لمدة عامين من دون تفسير مفهوم. وخلال فترات الإجازة، يعود نور ليعيش مع خالته بيبا، التي تؤدي دورها ريهام عبد الغفور، وهي مصابة بمتلازمة داون، وتقيم في المجر برفقة فتاة ترعاها تُدعى لي لي، تجسدها أسماء أبو اليزيد، وتعاني بدورها من درجة ما من طيف التوحد.
يقرر نور اصطحاب بيبا في رحلة تمتد عبر عدة دول أوروبية، معتقدا أن هذه التجربة ستقوده في النهاية إلى الاقتراب من والدته. ومع تطور الأحداث، تتحول الرحلة إلى سلسلة من المواقف الإنسانية والكوميدية، كما هو متوقع من فيلم ينتمي إلى هذا النوع.
لا يقتصر “خريطة رأس السنة” على كونه فيلما موسميا مرتبطا بالكريسماس، بل ينتمي أيضا إلى فئة أفلام بطولة الطفل، إذ تُروى أحداثه بالكامل من منظور نور. وهو نمط سينمائي أصبح نادرا نسبيا في السينما المصرية المعاصرة. ومع ذلك، فإن التعامل مع الفيلم بوصفه موجها للأطفال يطرح إشكالية أساسية، تتمثل في حاجز اللغة، إذ يتطلب متابعة الحوار الناطق بالإنجليزية قدرة على قراءة الترجمة العربية، وهو ما قد يشكل عائقا أمام شريحة واسعة من الأطفال. وبهذا المعنى، يبدو الفيلم أقرب إلى مخاطبة أطفال المدارس الدولية أكثر من توجيهه إلى الجمهور المصري المحلي المعتاد.
وهنا يبرز سؤال أساسي: من هو الجمهور المستهدف لهذا الفيلم؟ فغالبًا ما يكون لأي فيلم جمهور مستهدف واضح، لكن “خريطة رأس السنة” يظل معلقا بين عدة احتمالات: هل هو فيلم للأطفال؟ أم فيلم كريسماس عائلي؟ هل هو موجه للجمهور المصري العام؟ أم لجمهور خاص من طبقة معينة؟
تُضاف إلى ذلك بساطة فكرة الفيلم، التي تقوم على قيم توعوية مباشرة وساذجة نسبيا، وهو ما يجعل الفيلم غير مناسب للمشاهد البالغ الباحث عن حبكة تحتوي على أبسط درجات التعقيد الدرامي أو حوارات عميقة. فالفيلم يتناول موضوعات مهمة مثل متلازمة داون، والتوحد، وتقبل الاختلاف، لكن تمت معالجتها في إطار طفولي مبسط.
في المحصلة، يظل “خريطة رأس السنة” تجربة سينمائية ملتبسة يصعب وضعها داخل إطار واضح. هو فيلم مصري في الإنتاج والطاقم، أوروبي في المكان واللغة، وطفولي في المعالجة، لكنه لا ينجح في أن يكون فيلم أطفال للأطفال المصريين العاديين، ولا فيلما عائليا قادرا على مخاطبة جمهور واسع من البالغين والصغار. وبين نواياه الإنسانية الواضحة ورغبته في تقديم رسالة عن تقبل الاختلاف، يقع الفيلم في مأزق الهوية والجمهور، فيبدو وكأنه يخاطب شريحة غير محددة، أو جمهورا لم يتشكل بعد.
