يدخل لبنان عام 2026 وهو يقف عند تقاطع حساس بين مسارات متناقضة، تصعيد عسكري إسرائيلي لا يبدو أنه بلغ ذروته بعد، ودبلوماسية دولية تفضّل إدارة الأزمة اللبنانية بدل حلّها، وبيئة إقليمية تعجّ بالتحولات والاضطرابات. مشهد تتداخل فيه حسابات الردع والحرب الوقائية مع محاولات الاحتواء السياسي، من دون أن يلوح في الأفق مسار واضح يمكن الركون إليه.

في هذا السياق، يبدو الملف اللبناني عالقاً في المنطقة الرمادية للسياسة الدولية؛ لا هو أولوية أميركية تستدعي مبادرة شاملة، ولا هو ساحة هامشية يمكن تركها تنفجر بلا كلفة. هذا الغموض يمنح إسرائيل هامش حركة واسعًا لمعايرة مستوى التصعيد، فيما يدفع أطرافًا إقليمية إلى فتح قنوات تواصل خلفية مع حزب الله، خشية الانزلاق إلى مواجهة شاملة تتجاوز قدرة الجميع على ضبطها.

بين ضغط عسكري متصاعد، وحسابات دولية مترددة، واستعدادات داخلية هادئة لسيناريوهات الأسوأ، يجد لبنان نفسه مرة أخرى على خط تماس مفتوح. دولة تحاول شراء الوقت، وحزب يستعد لحرب طويلة النفس، وإقليم يتحرك على وقع أزمات متزامنة. هكذا يدخل البلد عامه الجديد، من دون ضمانات، وبكثير من الأسئلة المؤجلة.

بين إدارة الأزمة اللبنانية وحلّها

بحسب مصادر حكومية لبنانية رفيعة مطلعة على الاتصالات الخارجية، فإن الغموض الذي رافق اللقاء الأول بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لم يكن تفصيلًا عابرًا. إذ لم يُطرح الملف اللبناني بصورة مباشرة أو تفصيلية، ما عكس، وفق هذه المصادر، استمرار المقاربة الأميركية القائمة على إدارة الأزمة اللبنانية لا حلّها، وترك هامش واسع لإسرائيل لتقدير مستوى التصعيد ميدانيًا.

وتلفت المصادر التي صرحت لـ”عربي بوست” إلى أن الإشارة الأميركية الوحيدة العلنية إلى لبنان، والمتمثّلة بربط أي مسار مقبل بجهود نزع سلاح حزب الله، لم تُترجم حتى الآن إلى ضغط سياسي مباشر على الحكومة اللبنانية، بل بقيت في إطار الرسائل العامة.

وتؤكد المصادر أن مؤشرات القلق من تصعيد إسرائيلي محتمل بدأت تظهر بوضوح، من خلال الاجتماعات المتواصلة بين المؤسسات الحكومية اللبنانية والمنظمات الدولية المعنية بالإغاثة واللجوء، إلى جانب جهات أممية تسأل عن مدى جاهزية الدولة اللبنانية لأي تصعيد محتمل خلال شهر كانون الثاني/ يناير 2026، ما أدى إلى حالة استنفار داخل مؤسسات الدولة والجهات الشريكة لها.

وفي هذا السياق، تؤكد مصادر حكومية لبنانية أن السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، أبلغ كُلًّا من رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري، خلال لقاءات مغلقة، أن واشنطن تدرك حساسية الصيغة اللبنانية وتعقيد ملف سلاح حزب الله، وترى أن أي مقاربة صدامية لمعالجته قد تقود إلى انفجار داخلي واسع.

وتشير هذه المصادر إلى أن الموقف الأميركي، وإن لم يصل إلى حد توفير مظلة حماية سياسية للبنان، فإنه يختلف عن المقاربة الإسرائيلية المتشددة، التي تضغط باتجاه تسريع المواجهة مع الحزب، سواء عبر توسيع الضربات أو تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية أي تأخير في الانتقال إلى مراحل متقدمة من حصر السلاح.

ويؤكد مصدر حكومي أن الأميركيين، خلال الشهرين الماضيين، وبعد جولات ميدانية مع الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية عبر لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، اكتشفوا جانبًا كبيرًا من التهويل الإسرائيلي بشأن خطورة الوضع الميداني، لا سيما بعد الاطلاع المباشر على إجراءات الجيش في منطقة جنوب نهر الليطاني، التي باتت شبه خالية من الأسلحة والعتاد.

وبحسب القراءة الأميركية، فإن الحفاظ على حدّ أدنى من الاستقرار الداخلي في لبنان يبقى أولوية نسبية، خشية أن يؤدي الانهيار الكامل إلى تداعيات إقليمية يصعب التحكم بها، في ظل تداخل الساحات اللبنانية والسورية والإيرانية.

حزب الله: موقف أكثر تصلّباً واستعداد غير معلن

في المقابل، يكشف مصدر قريب من حزب الله لـ”عربي بوست” أن قيادة الحزب باتت تتعامل مع التصعيد الإسرائيلي بوصفه مسارًا طويل الأمد، لا مجرد ضغط مرحلي عابر.

ويشير المصدر إلى أن موقف الحزب السياسي ازداد تصلّبًا خلال الأسابيع الأخيرة، متأثرًا بجملة تطورات إقليمية متزامنة، أبرزها التصعيد في اليمن، وتجدد المواجهات في السودان، واتساع الفجوة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

ويرى الحزب، بحسب المصدر، أن إسرائيل تحاول فرض معادلة استنزاف مفتوحة، تستهدف إضعافه تدريجيًا، ليس فقط عسكريًا، بل اجتماعيًا وسياسيًا، عبر الضغط على بيئته وتحميله مسؤولية أي اهتزاز داخلي. هذا الإدراك دفع الحزب إلى إعادة ترتيب أولوياته، والتشديد على تجنّب أي خطوة داخلية يمكن استثمارها لإشعال صدام مع الدولة أو الجيش.

على المستوى الميداني، يؤكد المصدر القريب من الحزب أن الأشهر الماضية شهدت إعادة تنظيم واسعة داخل البنية العسكرية والأمنية للحزب، استنادًا إلى دروس المواجهات السابقة. فقد جرى:

تقليص الظهور العلني إلى الحد الأدنى، وتفكيك الوحدات الكبيرة إلى مجموعات أصغر وأكثر مرونة، قادرة على العمل باستقلالية نسبية في حال تعطل الاتصال المركزي.

تعزيز الاعتماد على العمل تحت الأرض شمال الليطاني، عبر إنشاء أنفاق جديدة وتكييف منشآت قائمة لأغراض لوجستية وعسكرية، بما يصعّب على أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية إنتاج أهداف نوعية. ويفسّر ذلك، وفق المصدر، تكرار القصف الإسرائيلي لمواقع محددة دون تحقيق نتائج حاسمة، ما عزز قناعة الحزب بأن الفشل الإسرائيلي في شمال الليطاني بات واضحًا.

الحزب بات يعطي أولوية قصوى لتقليص الخسائر البشرية، لا سيما في صفوف الكوادر القيادية البديلة، مع إقرار ضمني بأن بعض المهام اللوجستية لا يمكن تنفيذها إلا في بيئة مكشوفة، ما يرفع منسوب المخاطر على عناصره.

حسابات الردع وعدم حصر الجبهة

فيما يتعلّق بخيارات الرد، يشدد المصدر القريب من حزب الله على أن أي مواجهة واسعة لن تُدار من ساحة واحدة، ولن تكون محكومة بمعادلات الجنوب اللبناني وحدها. ويؤكد أن الحزب، في حال استهداف لبنان بريًا، أو استهداف حلفائه، وتحديدًا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سيتعامل مع هوامش رد متعددة.

بعض هذه الهوامش مرتبط بالنقاط التي لا تزال إسرائيل تحتلها في التلال الخمسة جنوب الليطاني، وبعضها الآخر مرتبط بتوازنات إقليمية أوسع، في إشارة إلى الساحة السورية.

كما يؤكد أن ملف الرد على اغتيال القيادي هيثم الطبطبائي لا يزال قيد نقاش موسّع، ويُدرج ضمن بنك الخيارات، من دون تحديد توقيت أو شكل التنفيذ، على قاعدة أن إدارة الردع لا تخضع لمنطق ردود الفعل السريعة.

ثغرة دبلوماسية في جدار العزل

بالتوازي مع هذه التطورات، تشير مصادر دبلوماسية عربية لـ”عربي بوست” إلى أن الأشهر الماضية شهدت إعادة فتح قنوات تواصل محدودة وغير معلنة بين حزب الله وبعض العواصم الإقليمية، من بينها تركيا، إضافة إلى قنوات غير مباشرة مع مصر وقطر.

وتؤكد هذه المصادر أن هذا الانفتاح لا يعكس تحولًا سياسيًا جذريًا، بقدر ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحزب بات عنصرًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة لبنانية أو إقليمية.

وترى المصادر الدبلوماسية أن بعض هذه الدول تفضّل إبقاء قنوات الحوار مفتوحة كأداة احتواء، تحسّبًا لانفجار أوسع قد يعيد خلط الأوراق في المنطقة. وتوضح أن تركيا انفتحت على الحزب في إطار دورها الهادف إلى معالجة أي تطور ميداني محتمل في العلاقة بين لبنان وسوريا، وتجنّب انزلاق المنطقة إلى صراعات بينية في ظل التصعيد الإسرائيلي.

في المقابل، لا تزال المخابرات المصرية، بحسب المصادر، تجري لقاءات موسّعة مع حزب الله، وتصرّ القاهرة على مبادرتها القائمة على تجميد السلاح شمال الليطاني، وربطه بنقاش لبناني–إقليمي حول استراتيجية دفاع وطني، بما يضمن عدم شعور أي مكوّن لبناني بـ”الغبن”.

الدولة اللبنانية بين الضغط والانتظار

وسط هذه التوازنات المعقّدة، تبدو الدولة اللبنانية أمام هامش مناورة شديد الضيق. فهي تحاول، بحسب مصادر حكومية، إظهار التزامها بمسار حصر السلاح، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية، في وقت تواصل فيه إسرائيل الضغط العسكري، ملوّحة بتوسيع الاستهداف ليشمل مرافق حيوية للدولة.

وتحذّر المصادر من أن أي انتقال غير محسوب إلى مرحلة شمال الليطاني، في ظل غياب قرار سياسي جامع، قد يحوّل الجيش اللبناني إلى واجهة صدام داخلي، وهو سيناريو تحاول الرئاسات اللبنانية تفاديه بكل الوسائل.

في المحصلة، يدخل لبنان عام 2026 وسط تصعيد إسرائيلي مفتوح السقف، وتفهّم أميركي مشروط، وتصلّب متزايد في موقف حزب الله، يقابله استعداد هادئ لسيناريو الحرب إذا فُرضت. وبين هذه العوامل، يبقى البلد على خط تماس قابل للاشتعال في أي لحظة، بانتظار أن تحسم المنطقة مسارها، أو أن تُفرض المواجهة من خارج الحسابات اللبنانية.