“القدس العربي”: تتبع الكاتب آدم نوسّيتر، في مقال نشرته نيويورك تايمز، سيرة الممثل والمخرج الفلسطيني محمد بكري، والمسار الشائك الذي رسمته أعماله، من خشبة المسرح إلى الشاشة الكبيرة. ويرصد المقال كيف تحوّل فيلمه الوثائقي «جنين، جنين» إلى محطة مفصلية أثارت جدلًا واسعًا وحظرًا رسميًا ومعارك قضائية طويلة، قبل أن يختتم باستعراض ملامح إرثه الفني والإنساني.

توفي محمد بكري، الممثل والمخرج الفلسطيني المعروف، الذي أثار فيلمه الوثائقي القاسي عن معركة عام 2002 بين القوات الإسرائيلية ومسلحين فلسطينيين حظرًا رسميًا في إسرائيل، وأشعل سنوات من النزاعات القضائية، في 24 ديسمبر/كانون الأول بمدينة نهاريا. وكان عمره 72 عاما.

كان بكري من أوائل الفلسطينيين الذين شقّوا طريقهم إلى صناعة السينما داخل إسرائيل. وقد وظّف أعماله مرارًا في محاولة لكشف ما اعتبره واقعًا قاسيًا يعيشه الفلسطينيون في إسرائيل.

وكان قد رسّخ مكانته كممثل قبل إنجازه، عام 2002، فيلمه الوثائقي «جنين، جنين»، غير أن المعارك التي تلت عرض الفيلم أصبحت عنوانًا لمرحلة لاحقة من مسيرته المهنية.

واعتمد الفيلم على شهادات سكان مخيم جنين للاجئين في الضفة الغربية، لتصوير عنف معركة استمرت عشرة أيام في ربيع عام 2002، دارت بين مسلحين فلسطينيين وقوات إسرائيلية. وبحسب تقرير للأمم المتحدة، قُتل 52 شخصًا خلال القتال على يد إسرائيل، ويُحتمل أن يكون نحو نصفهم من المدنيين، كما قُتل 23 جنديًا إسرائيليًا. وخلص تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى أن القوات الإسرائيلية ارتكبت «عمليات قتل غير قانونية أو متعمدة»، واستخدمت مدنيين فلسطينيين كدروع بشرية.

ورأى منتقدو الفيلم أنه «أحادي الجانب» لاعتماده على مقابلات مع فلسطينيين فقط. وحظرته «هيئة مراجعة السينما والمسرح» الإسرائيلية بوصفه منحازًا، رغم أن صالات سينما فنية في تل أبيب والقدس عرضته بعد صدور قرار الحظر. وفي مقابلة آنذاك مع صحيفة «لوموند» الفرنسية، وصف بكري قرار الهيئة بأنه «إهانة للديمقراطية وحقوق المواطنين وذكاء الجمهور الإسرائيلي».

وألغت المحكمة العليا الإسرائيلية الحظر عام 2003، وأعادت تثبيت قرارها في العام التالي، لكنها قالت إن الفيلم «يتضمن أكاذيب».

وفي عام 2008، خسر خمسة جنود إسرائيليين كانوا قد رفعوا دعوى تشهير ضد بكري. وقال القاضي إن الفيلم شهّر بالجنود، لكن هؤلاء الخمسة – الذين لم يظهروا في الفيلم ولم تُذكر أسماؤهم – لا يملكون صفة قانونية تخوّلهم مقاضاته.

وفي عام 2016، رفع جندي آخر – ظهر لثوانٍ في الفيلم – دعوى تشهير ضد بكري. وفي عام 2021، قضت محكمة لمصلحة الجندي، فأعادت فرض الحظر على عرض الفيلم داخل إسرائيل، وأمرت بكري بدفع 55 ألف دولار تعويضًا. وأيّدت المحكمة العليا الإسرائيلية الحظر عام 2022، ووصفت فيلم بكري بأنه «خدعة».

وقال بكري لاحقًا، في مقابلة على منصة «واي بلس» الفلسطينية الرقمية: «فيلم “جنين، جنين” تحدٍّ لكل الضربات التي تلقيتها، وردّ على روايتهم الزائفة. لقد وُصفت بأنني أول أعداء الثقافة في إسرائيل». ولا يزال الفيلم متاحًا على نطاق واسع عبر الإنترنت.

وُلد محمد بكري في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1953 في قرية البعنة شمال، وهو الأكبر بين 12 طفلًا لصالح وسعيدة بكري. وقال هذا العام لـ«المعهد البريطاني للأفلام» إن القرية كانت آنذاك تحت حكم عسكري إسرائيلي، بلا طرق أو كهرباء. وكان والده يدير دكان بقالة، وتولى أيضًا رئاسة المجلس القروي.

ونسب بكري بدايات شغفه بالسينما إلى جهاز عرض يعمل بالغاز أحضره مهندس كهرباء إلى البلدة. وبعد إنهاء المرحلة الثانوية في مدينة عكا القريبة، التحق عام 1973 بجامعة تل أبيب لدراسة التمثيل والأدب العربي. وكان من أوائل الفلسطينيين داخل إسرائيل الذين درسوا التمثيل في جامعة إسرائيلية، وتخرج عام 1976.

بعد التخرج، عمل مع «مسرح هابيما» الوطني ومع فرق أخرى، مؤديًا أحيانًا أدوارًا بالعبرية. ولاحقًا قدّم عروضًا فردية (مسرح رجل واحد)، من بينها «المتشائل»، المستند إلى أعمال الكاتب الفلسطيني إميل حبيبي، والذي يتناول دراما الفلسطينيين عند قيام إسرائيل.

وفتحت أمامه أبواب السينما عندما شاهده المخرج اليوناني–الفرنسي كوستا-غافراس وهو يؤدي في عرض «كاباريه سياسي» – أخرجه المسرحي التجريبي الأمريكي جوزيف تشايكن – عن مجزرة صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982 خلال الحرب الأهلية اللبنانية. وطلب غافراس من بكري التقدم لاختبار أداء لفيلم «هانا ك.»، الذي شارك في بطولته جيل كلايبورغ وغابرييل بيرن، فحصل على الدور، وعُرض الفيلم عام 1983.

وجاءت مراجعات الفيلم في الولايات المتحدة بمعظمها سلبية، لكن الناقد والمفكر إدوارد سعيد امتدحه في «ذا فيليج فويس» لما اعتبره تصويرًا لـ«المعضلة الأخلاقية» التي تجسدها إسرائيل، معتبرًا إياه من أوائل الأعمال السينمائية في التيار السائد التي تناولت القضية الفلسطينية.

أما انطلاقته الواسعة في إسرائيل فكانت مع فيلم «خارج الجدران» (1984)، الذي تدور أحداثه في سجن إسرائيلي، ويؤدي فيه بكري دور سجين من حركة «فتح» مُدان بالإرهاب، ينتهي به الأمر إلى التحالف مع سجين إسرائيلي. وكتبت جانيت ماسلين في مراجعة بصحيفة «نيويورك تايمز» أن بكري وأرنون زادوك – الذي أدى دور السجين الإسرائيلي – «يؤديان بهدوء وضبط نفس لا يضاهيه أحد من بقية طاقم العمل».

وقال بكري لـ«لوموند» عام 2005 إنه بدأ «يسائل نفسه سياسيًا» بعد مقتل متظاهرين من فلسطينيي الـ48 خلال احتجاجات «يوم الأرض» عام 1976 ضد المصادرات الإسرائيلية في الجليل، مضيفًا: «الوضع هنا، للأسف، حكم عليّ بانخراط سياسي في خياراتي المهنية».

وفي عام 2018، قال لـ«لوموند»: «أن تكون فنانًا فلسطينيًا في إسرائيل وتحاول الحفاظ على إنسانيتك أمر بالغ الصعوبة. إنهم يريدونك أن تصبح يهوديًا، وأن تصمت، وأن تنسى، بأدب شديد، من أين أتيت».

وخلال مسيرته، تمسك بكري بموقف معلن ضد العنف. وقال في مقابلة مع «لوموند» عام 2005: «كان ينبغي للفلسطينيين أن ينبذوا العنف منذ زمن. أقول لأطفالي إن المقاومة يمكن أن تأتي من السينما، أو الحوار، أو المسرح، أو عبر التظاهر».

وقال من عرفوه إن رغبته في بناء جسور بين الطرفين كانت حقيقية وعميقة. وقالت رايا موراغ، أستاذة دراسات السينما في الجامعة العبرية بالقدس: «كان متصلًا جدًا بالعالمين الفلسطيني والإسرائيلي، وهذا استثنائي. وكان لديه إحساس عميق بمعاناة الشعبين، وهذا أيضًا استثنائي».

وفي الولايات المتحدة، عُرف بكري أكثر بدورين تلفزيونيين بارزين: نائب رئيس أفغانستان في مسلسل «هوملاند»، والنبي صموئيل في مسلسل «الملوك والأنبياء».

وفي فيلم «واجب» (2017) للمخرجة آن ماري جاسر، أدى بكري وابنه صالح دورين يعكسان الفجوة بين الأجيال داخل عائلة فلسطينية تمزقها انعطافات التاريخ وتباينات الالتزام السياسي. وكتب جاك ماندلباوم في صحيفة «لوموند» أن صراع الأب والابن يغطي «الأخذ والرد المؤلم، الذي يكاد يكون كافكاويًا، لفلسطينيي إسرائيل الذين اختاروا البقاء في بلد هم مواطنون فيه، لكنهم يظلون غرباء داخله».

ترك بكري زوجته ليلى، وابنيه صالح وآدم، وثلاثة أبناء آخرين هم حسن وزياد ومحمود، وابنة هي يافا بكري، وسبعة أحفاد.

بعد وفاته، كتب الصحافي جدعون ليفي في صحيفة «هآرتس»: «إسرائيل سحقته لأنه تجرأ على التعبير عن الألم الفلسطيني كما هو». كما أشاد فلسطينيون في صناعة السينما داخل إسرائيل بدوره الريادي، وقال المخرج توفيق أبو وائل في مقابلة: «فتح البوابة أمام كثيرين لممارسة الفن وألا يخجلوا لأنهم من أقلية. هناك ثقافة فلسطينية. لقد مثّلها».