
ثمّة مشهدان حديثان يبهجان القلب. هذا القلب، على وجه الخصوص.. أحدهما لبناني لا محالة؛ والآخر أمريكي يبعث على قدر من الطمأنينة. المشهد الأول يضم شخصيات تحسن العيش داخل نادي النخبة اللبنانية، لكنها تصلح بالقدر نفسه لأن تؤدي أدوار السُذّج في «صحّ النوم»، ذلك المسلسل السوري الشهير من سبعينيات القرن الماضي، الذي هزأ بالمجتمع والسياسة في العالم العربي. وللقرّاء الأصغر سناً الذين ـ وللأسف ـ فاتهم «صحّ النوم»، فإن يوتيوب منقذكم.
غير أن القصة التي سأرويها كفيلة بأن تمنحكم لمحة عن عبقرية الكاتب محمد الماغوط، في التقاط كيف تحيك عبثيات الأنظمة العربية، نسيج الهزل داخل الحياة اليومية. وكان حافظ الأسد معروفا بابتسامة عريضة وهو يشاهد تلك المحاكاة الساخرة، على ما يبدو غير منزعج من أن النكتة كانت، في جوهرها، على البعثيّ الأول نفسه.
قبل بضع سنوات، رأى القاضي الشرعي خلدون عريمط فرصة للربح في غياب السعودية عن الساحة اللبنانية. فابتكر مخططًا لجني ملايين الدولارات من شخصيات بارزة في هذا البلد البائس، موهما إياهم بوجود صلة وثيقة تربطه بشخصية سماها «أبو عمر»، قدّمها بوصفها كبير مستشاري ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. ولوّح أمامهم بما يشغل يقظتهم ويغلف أحلامهم الليلية: المنصب الرفيع، تراوحت الإغراءات بين مقعد نيابي، أو حقيبة وزارية، أو رئاسة الحكومة ـ أو، في حالات أخرى، مجرد خط مباشر إلى مركز القرار بوصفهم أتباعا مفضلين وموظفين مرضيّا عنهم. وكان «أبو عمر»، بطبيعة الحال، يتواصل حصريا عبر الهاتف مع طالبي الحظوة السعودية، من خلال الشيخ نفسه. وفي ختام كل مكالمة، وبعد أن يفيض عليهم بتعليماته، أو نصائحه، أو تحياته المزعومة من محمد بن سلمان، كان يطلب منهم أن «يهتموا بالشيخ عريمط». وبعدها، كانت الأموال تتدفق إلى جيوب الشيخ. هل ما زلتم معي؟ لأن القصة على وشك أن تنعطف إلى مستوى من الغرابة يكاد يكون خيالياً. فالرجل الذي أعدّه عريمط لأداء دور «أبو عمر» لم يكن سوى مصطفى الحسيان، دهّان سيارات معدم من عكار، مسقط رأس الشيخ. وكان الحسيان مثاليا للدور، لأنه ينتمي إلى قبيلة بدوية عربية لهجتها قريبة جداً من اللهجة السعودية. ولتجاوز وجود السفارة السعودية في لبنان، طمأن الشيخ ضحاياه بأن الشأن اللبناني يقع حصريا ضمن صلاحيات أبو عمر، وأن النفوذ الحقيقي والسلطة الفعلية في البلاط السعودي هما بيده. أما السفارة، فمجرد تفصيل هامشي يمكن تجاهله. شيء من هذا القبيل، على الأقل. وقد التزم السياسيون اللبنانيون المستهدفون ـ الذين تكفل جشعهم بإلغاء ما تبقى من خلايا تفكير لديهم ـ بنصيحة الشيخ، ووجّهوا كل تملقهم إليه وإلى «أبو عمر».
بالفعل، هناك حلقة في «صحّ النوم» تكاد تطابق حيلة عريمط، حين يخترع غوار الطوشة، نجم المسلسل، ورفيقه أبو عنتر عملية احتيال مماثلة. يتظاهران بأنهما حاكمان من دولة غنية خيالية تُدعى «طوالستان»، ويرتديان تحت أثوابهما الفضفاضة قباقيب ذات كعوب عالية على نحو غير مسبوق. ولمن لا يعرف، كان القبقاب الحذاء الأيقوني لغوار في «صحّ النوم» وقبله في «حمّام الهنا». هذا الشهر فقط، أُلقي القبض أخيرا على عريمط والحسيان في عملية ضبط نفذتها المخابرات اللبنانية، بالتعاون مع السفارة السعودية. وكما حدث لغوار وأبي عنتر في عالم صحّ النوم على يد أبو كلبشة، شاويش حارة «كل من إيدو إلو».
الفضيحة الحقيقية أن قصة «أبو عمر» ليست سوى أحدث واحدة في سلسلة طويلة من عمليات الاحتيال التي كشفت، جيلا بعد جيل، حقيقة كثيرين في لبنان ممن يدّعون الانتماء إلى طبقة النبل
تحوّل أبو عمر إلى حديث الناس مع وداع لبنان لعام 2025. الحسيان ـ دهّان السيارات ـ يقبع الآن في السجن؛ أما الشيخ، الذي لا شك في تقواه الغامرة، فما زال طليقا حتى الآن. يقضي وقته في عقد مؤتمرات صحافية وتهديد وسائل الإعلام. أما المغفلون الذين وقعوا في الفخ، فقد صاروا مادة للتندر ـ وهي، في بلد يعجز عن محاسبة أسوأ مجرميه، أقرب ما يمكن أن يُسمّى عدالة.
أما لبنان نفسه، فقد أظهر مرة أخرى موهبته اللافتة في التراجيكوميديا: مكان يتلاقى فيه المحتالون والسذّج للترفيه والصدمة معاً. موهبة ليست حكرا علينا، لا بدّ من القول، لكنها باتت محطّ غبطة عالمية، إذ نرى دولا «عظمى» تنزلق، واحدة تلو الأخرى، إلى مسرح العبث. والفضيحة الحقيقية، بالطبع، أن قصة «أبو عمر» ليست سوى أحدث واحدة في سلسلة طويلة من عمليات الاحتيال التي كشفت، جيلا بعد جيل، حقيقة كثيرين في لبنان ممن يدّعون الانتماء إلى طبقة النبل. معظم عمليات الاحتيال تُفكك خلف أبواب مواربة؛ أما هذه، فانهارت على الملأ، ليحدّق فيها الناس ضاحكين، كحال سكيرٍ يتمزق سرواله المتّسخ وهو يترنح مهرجاً في حفلة.
لكن كل ذلك لا يتجاوز كونه فودفيلا تافهاً يليق بتفاهة الوطن الأم. أما المشهد الذي يرقى في دلالته إلى مستوى الولايات المتحدة نفسها، فهو مؤتمر AmericaFest الذي نظمته منظمة Turning Point USA في ديسمبر 2025. كان مشهدا لافتا، إذ راحت رموز التيار «الماغاوي» تتقاتل علنا حول القضية الأهم بالنسبة لكثيرين منا على هذا الجانب من المتراس: إسرائيل. وكان هجوم تاكر كارلسون اللاذع على المؤسسات الإنجيلية، التي تدعم إسرائيل، أو تبرّر ما تفعله في غزة التعبير الأوضح عن التحوّل الجاري في هذا الصراع. «إذا ارتكب رجل جريمة، هل نقتل أبناءه؟ لا يهمّ إن كان ذلك في مينيابوليس أو غزة. لا، لا نفعل. الله ليس إلى جانب أي دولة… الله ليست له جنسية الله لا جنسية له».
ما يجعل هذا النزاع بالذات بالغ الأهمية أنه ليس نزاعنا نحن، بل نزاعهم هم، لا يُدار باسمنا، بل باسمهم. وغالبا ما ستُحسم كفته لأنه يُخاض على أرضهم، ولمصلحتهم، لا لمصلحتنا ـ ولا لمصلحة إسرائيل. ومن بين كل المؤشرات التي تلوح مع عام 2026، يستحق هذا التحوّل وحده كل صبرنا وكل انتباهنا.
كاتبة لبنانية
