يُدهشُ قارئ قصص الكَندية أليس مونرو، الفائزة بنوبل عام 2013، بحساسية شخصياتها ونقائهم، وبساطتهم التي تُحوّل تفاصيل يومية في قرى وبلدات صغيرة إلى قصص تلمس وتراً عميقاً. فأهمّ شخصياتها نساء ليس لهن حظ وافر من أيّ شيء، وليس في يوميات أي منهنّ الكثير مما يستحق الذكر، لكنها عثرت في حياتهن على خامة أدبية غنية، وأظهرت عناية فائقة بمصائرهن وفهماً عميقاً لمشاعرهن.

لكن وفاة الكُتّاب تكشف الأجزاء الخفّية من شخصياتهم، وكثيرٌ منها قد يعري وجوهاً أخرى لهم. وكما صدمتنا رسالة سليم بركات الشهيرة التي تقول إن محمود درويش تنكّر لطفلة أنجبها من علاقة سرّية، ولم يصدق الناس ذلك في شاعر رفعوه إلى مرتبة القدّيس، يفاجأ قارئ أليس مونرو بأنها لم تتّسق مع ما تكتبه في حياتها الشخصية، فشوّش المكشوف من حياتها على سيرتها الأدبية، إلى الأبد. مع العلم أن جزءاً من القصة كُشف خلال حياة الكاتبة، لكن القصة الكاملة لم تخرج إلى العلن إلّا بعد وفاتها.

القصة أن الكاتبة الرقيقة وقفت ضد ابنتها التي اعتدى عليها زوجها جيرالد فريملين جنسياً، حين كان عمرها تسع سنوات. وواصلت مونرو حياتها معه، رغم اكتشافها المتأخر، بل كذّبت ابنتها أمام الشرطة. صحيحٌ أن موقفها، المخالف لطبيعة الأم التي تقف مع الأبناء ضد العالم، ليس فريداً، فكثيراً ما سمعنا عن أمهاتٍ وقفن هذا الموقف المُخزي، لكننا نقول في حالاتهن إنهن نساء في وضع صعب، أو مغسولة أدمغتهنّ، لكن أديبة تملك من العلم والمال والحظوة ما يجعلها علَماً…؟

القصة بدأت حين أبلغت أنديرا أمها بما حدث، وهي تبلغ الخامسة والعشرين، مدفوعة بتعاطف والدتها مع إحدى شخصيات قصصها، التي عاشت نفس الحالة، في حوار صحافي. لكن مونرو لم تتعاطف مع ابنتها و”تصرفت كما لو أنها لم تعلم بجريمة ضد ابنتها، بل بالخيانة الزوجية”. بل لامتها مستنكرة: “توقعتِ أن أنكر احتياجاتي، وأضحي من أجل أطفالي، وأعوضهم عن إخفاقات الرجال…”، وطوت الملف معتبرة أنه “لا علاقة له بها”.

أما زوجها فريملين، وهو كاتب أيضاً، فقد وصف الابنة بأنها “مخرّبة بيوت” في رسالة إلى العائلة ردّاً على ما روته، متهما إياها بتقليد لوليتا، بطلة رواية فلاديمير نابوكوف، وألقى باللوم عليها لأنها أغوته. فاضطرت إلى التعامل معه، رغم ذلك، في اللقاءات الأُسرية، إلى أن انقطعت العلاقة بين الأم وابنتها. وبعد عدة سنوات، رفعت أنديرا قضية أمام المحاكم، وأقر فريملين بالذنب، عام 2005، وحُكم عليه بالسجن مع وقف التنفيذ.

حتى لو تفهّمنا سلوك مونرو لأنها فضلت حماية إرثها الأدبي على حماية ابنتها، لكن أي عاقل يدرك أن الحقيقة لا تموت بموته. بل سيكون وضعه أسوأ حينها، فلن يمكنه فعل شيء، ولو حتى الاعتذار المتأخر. أما سيرة الكتاب فلا تنتهي مع موتهم، بل يُكشف معه المزيد من الأسرار. ونتيجة ما نُشر تشوّهت سُمعة مونرو، وسُحبت مظاهر تكريمها، في بلدها، ومنها تعليق جامعة ويسترن في أونتاريو كرسي أليس مونرو للإبداع.

المفارقة الأدبية الأخرى، استعمال الأدب لتغطية السلوك الشائن، وكأنه يخفف الواقع لأنه يجعل كل شيء مقبولا لأبطاله. ففريملين كتب في رسالته السابقة، أن أنديرا حاولت اتباع خطى “لوليتا”، المراهقة التي أُغرمت برجل في منتصف العمر. كما أن الابنة لم تكشف تواطؤ الأم فقط، بل العديد من الأشخاص من ذوي النفوذ في الوسط الذين عرفوا بالقصة، ومع ذلك تغاضوا عنها، بل كان لهم دور في إخفاء الكثير من تفاصيل القضية عن الرأي العام.

يبدو الدخول إلى بيوت الكتاب غير غريب، بل بشكل ما أصبح أمراً طبيعياً نتيجة القرب الذي يشعر به القارئ مع الكاتب الذي يرتبط به عن طريق كتاب وجد أنه يلمسه. فيشعر بالخيانة حين يكون الكاتب بعيداً عما تخيله. مثل ما حدث حين اكتشف القراء متأخرين أن فيرجينيا وولف كانت على علاقة بالكاتبة فيتا ساكفيل-ويست، لمدة عشر سنوات، رغم الأمثال التي تُضرب بالعلاقة بينها وبين زوجها، والدمار الذي أصابه بعد انتحارها، ورسالتها الشهيرة إليه.