ويستشهد هؤلاء، على سبيل المثال، بالجدل الذي رافق مسلسل “عمر” (2012)، رغم إشادة كثيرين بمستواه الإنتاجي العالي، وأدائه التمثيلي المتماسك، حيث وُجّهت إليه انتقادات تتعلق بانتقاء بعض الروايات التاريخية دون غيرها، وتقديم قراءة درامية للشخصيات قد توحي بالحسم في مسائل خلافية. ورغم أن العمل حظي بنجاح جماهيري واسع، إلا أنه فتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود الدراما عند الاقتراب من شخصيات مفصلية في التاريخ الإسلامي.

وتكرر الأمر ذاته مع مسلسل “الحسن والحسين ومعاوية”، الذي عُرض لاحقًا وأثار اعتراضات حادة في بعض الأوساط، ليس فقط بسبب تجسيد شخصيات تاريخية حساسة، بل أيضًا بسبب القراءة السياسية للأحداث، التي رأى منتقدوها أنها تعكس وجهة نظر بعينها، مغلّفة بإطار درامي جذاب.

في المقابل، هناك أعمال تاريخية عربية أجمعت الآراء تقريبًا على تميزها الفني، لكنها فشلت في إقناع شريحة من الجمهور المتمسّك بالوقائع الدقيقة.

ومن أبرز هذه الأعمال مسلسل “الزير سالم” (2000) الذي يُعد حتى اليوم علامة فارقة في الدراما العربية من حيث اللغة الشعرية وبناء الشخصيات، والإخراج. ورغم ذلك، لم يَسلم العمل من انتقادات تتهمه بتقديم قراءة “مؤدلجة” للسيرة الشعبية، وبمنح البطل أبعادًا فلسفية تتجاوز ما ورد في الروايات التاريخية.

وينطبق الأمر نفسه على مسلسل “صقر قريش” وأعمال أخرى تناولت بدايات الدولة الأموية، حيث رأى البعض أن الجماليات البصرية وقوة الأداء غطّت على اختزال تعقيدات تاريخية كبرى في صراعات شخصية، ما جعل التاريخ يبدو، في نظرهم، مسرحا للدراما أكثر منه مادة للفهم.

حتى مسلسل “ملوك الطوائف”، الذي حظي بإشادة نقدية كبيرة بسبب معالجته العميقة لفكرة الانقسام والسقوط الحضاري، وُوجه بانتقادات تتعلق بترتيب الأحداث وتكثيف الشخصيات، وهو ما اعتبره بعض المؤرخين إخلالًا بالسياق الزمني.

يتمسّك صنّاع الدراما بموقف واضح، هو أن المسلسل ليس كتاب تاريخ، ولا وثيقة أرشيفية، بل عمل فني يخضع لقوانين السرد وبناء الصراع والتشويق. وغالبًا ما يشدّد المخرجون والمؤلفون على أن استلهامهم للتاريخ أو للأجواء القديمة لا يعني الالتزام الحرفي بالوقائع، بل توظيفها كخلفية لطرح قضايا إنسانية معاصرة.

في أكثر من مناسبة، صرّح مخرجون عرب بأن “الدراما تُقدِّم أسئلة لا إجابات”، وأنها تسعى إلى إضاءة المناطق الرمادية في النفس البشرية، لا إلى إصدار أحكام أو تصحيح سجلات. ويرى نجوم الدراما بدورهم أن قوة العمل تُقاس بصدقه الفني وتأثيره العاطفي، لا بمقدار مطابقته للكتب والمراجع.

وفي هذا السياق، يبرز مسلسل “مولانا”، المنتظر عرضه في موسم رمضان 2026، بوصفه نموذجا دالًا على هذا الجدل، رغم أنه لا يقدّم نفسه صراحة كعمل تاريخي تقليدي. العمل السوري من إخراج سامر البرقاوي، يتكئ على أجواء اجتماعية وروحية ذات طابع رمزي، تستحضر السلطة الدينية والاجتماعية بوصفها فكرة أكثر منها توثيقًا لمرحلة بعينها.