لا يُستعاد اسم ليوناردو دا فينشي (1452–1519) بوصفه أعظم رسام في التاريخ فحسب، بل باعتباره عقلًا استثنائيًا سبق عصره بقرون، جمع بين الفن والعلم والهندسة والتشريح، وذهب بخياله إلى ما وراء الممكن في زمنه، ومن بين أكثر أحلامه جرأة وإثارة، حلم الطيران، الذي شغل خياله سنوات طويلة، ودوّنه في رسومات وملاحظات تكشف عن عبقرية علمية لا تقل عمقًا عن موهبته التشكيلية.
بداية اهتمام دافينشى بالطيران
انطلق اهتمام دا فينشي بالطيران من الملاحظة الدقيقة للطبيعة، كان يرى في حركة أجنحة الطيور مفتاحًا لفهم قوانين الهواء، فراح يراقبها ويفكك حركتها، ويدوّن ملاحظاته في دفاتر اشتهرت لاحقًا، من أبرزها «مخطوط الطيران» (Codex on the Flight of Birds)، حيث حلّل علاقة الوزن بالقوة، وتأثير الرياح، وزوايا الأجنحة، محاولًا تحويل المشاهدة الحسية إلى معادلات بصرية وهندسية قابلة للتطبيق.
وصمّم دا فينشي نماذج متعددة لآلات طيران، كان أشهرها الطائرة ذات الأجنحة المتحركة (Ornithopter)، التي تعتمد على حركة الإنسان لتقليد رفرفة الطيور، إلى جانب تصاميم أخرى اقتربت من فكرة الطائرة الشراعية، وأخرى أكثر طموحًا مثل اللولب الهوائي، الذي يُعد سلفًا نظريًا مبكرًا لفكرة المروحية الحديثة.
وجاءت هذه التصاميم مرسومة بدقة مذهلة، تُظهر فهمًا عميقًا للبنية والمواد وآليات الحركة، لكنها -بحسب ما تؤكده الدراسات الحديثة- كانت تفوق الإمكانات التقنية وعضلات الإنسان في عصر النهضة.
رسم لآلة الطيران
ولا توجد وثيقة تاريخية قاطعة تثبت أن دا فينشي نفّذ تجربة طيران ناجحة بنفسه، وتشير بعض المراجع إلى تجارب محدودة أو نماذج أولية، وربما محاولات غير مكتملة، إلا أن المؤكد أنه أدرك في مرحلة لاحقة أن الاعتماد على القوة العضلية وحدها غير كافٍ لتحقيق حلم الطيران. هذا الإدراك دفعه إلى التفكير في الانزلاق الهوائي بدل الرفرفة، وهو تحول مفهومي بالغ الأهمية في تاريخ التفكير في الطيران.
وفشل مشروع الطيران عمليًا لأسباب موضوعية، في مقدمتها غياب محركات خفيفة، وقصور المواد المتاحة، وعدم اكتمال علم الديناميكا الهوائية في ذلك الزمن. ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لمحاولات دا فينشي لا تكمن في النتيجة، بل في المنهج الذي اعتمده، والقائم على:
ولم تُسهم رسومات دا فينشي مباشرة في اختراع الطائرة الحديثة، لكنها أسست لغة التفكير العلمي البصري التي ستقود لاحقًا إلى إنجازات القرن التاسع عشر والعشرين. واليوم، تُعرض مخطوطاته ونماذجه في متاحف العالم بوصفها شهادات حيّة على عقلٍ لم يعرف حدودًا فاصلة بين الفن والعلم، ولا بين اللوحة والسماء.
مخطط لفكرة الطيران
