في خريف عام 2012 كان فريق من علماء الآثار يشق طريقه عبر كثبان غوادالوبي – نيبومو على ساحل كاليفورنيا، وبين طبقات الرمل ظهرت معالم مدينة مصرية مفقودة: 21 تمثالاً ضخماً لأبي الهول وبوابة ومعبد وأربعة تماثيل لرمسيس الثاني، وكان الاكتشاف أشبه بنافذة على عالم منسي، قبل أن يتبين أنه ليس ضارباً في القدم كما بدا أول وهلة، فما عثروا عليه لم يكن سوى الديكور المتآكل لفيلم “الوصايا العشر” The Ten Commandments، تلك الملحمة الصامتة الصادرة عام 1923 وأخرجها سيسيل بي دي ميل الذي ترك مستلزمات تصويرها لتبلى في الصحراء بانتظار من يعثر عليها.

ومن المفارقات أن دي ميل نفسه يظهر بشخصيته الحقيقية في فيلم “سانست بوليفار” (شارع الغروب) Sunset Boulevard تحفة بيلي وايلدر الصادرة عام 1950 عن بقايا هوليوود المتآكلة، والتي أعيد إخراجها من تحت غبار الزمن لإعادة عرضها في ذكراها الـ 75.

غالباً ما يصنف “شارع الغروب” كفيلم نوار [أسود] Noir أو ميلودراما قوطية أو هجاء لاذع لثقافة الشهرة، لكنه أيضاً ولو بصورة جزئية عمل يجمع بين الكوميديا والرعب، عن إيقاع الزمن الأميركي الذي يتسارع بلا هوادة.

تعيش بطلة الفيلم الغرائبية، نورما ديزموند، في “قلعة غروب كئيبة” تتسرب المياه من جدرانها وتحتلها الجرذان، على رغم أنها شُيدت في الضواحي قبل أقل من ثلاثة عقود، ويتهامس أحد موظفي شركة إنتاج سينمائي مع دي ميل مستغرباً: “نورما ديزموند؟ لا بد من أن عمرها الآن مليون سنة”، في حين أن عمر الممثلة في الحقيقة 50 عاماً فقط، أي أنها كانت في عمر أنجلينا جولي وريس ويذرسبون اليوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يرسم فيلم وايلدر ملامح مرحلة كانت الصناعة تتحرك فيها بسرعة جنونية إلى درجة أن عصر السينما الصامتة بدا وكأنه ينتمي إلى مصر القديمة، وأن نجوم عشرينيات القرن الماضي أصبحوا قدامى قدم الفراعنة، ومع أنه من المفترض أن يكون الفيلم بدوره قطعة أثرية من الماضي، لكنه لا يزال نابضاً بالحيوية، تمر لحظاته على الشاشة بخفة لافتة.

يقدم ويليام هولدن، الذي حل مكان مونتغومري كليفت في اللحظة الأخيرة، شخصية جو غيليس، كاتب السيناريو الفاشل العالق في علاقة طفيلية متبادلة مع نجمة سينمائية آفلة، أما غلوريا سوانسون، وهي نفسها من نجمات العشرينيات، فتجسد شخصية ديزموند التي تصر على أنها لا تزال نجمة كبيرة لكن الأفلام هي التي تقزمت.  

كانت براعة وايلدر السابقة لعصرها في قدرته على المزج بين الخيال وحقائق عن هوليوود، إذ يترك للمشاهد مهمة ملاحظة مواضع التداخل بينهما.

يظهر المخرج المخضرم إيريك فون ستروهايم في دور ماكس، خادم ديزموند الوفي (قبل أن تكشف الأحداث لاحقاً أنه قد أخرج أفلاماً لها في الماضي)، أما باستر كيتون فيبرز ضمن “تماثيل الشمع”، كما يسميهم غيليس، وهم مجموعة من بقايا نجوم السينما الصامتة يجتمعون كل أسبوع ليلعبوا الورق بوجوه يعلوها الأسى، وعندما تحاول ديزموند مشاهدة أحد أفلامها القديمة يكون المقطع المعروض من فيلم “كوين كيلي” Queen Kelly الصادر عام 1929، وهو عمل حقيقي جمع بين سوانسن وفون ستروهايم.

في البداية كان وايلدر يتصور فيلمه كعمل مرح خفيف الظل لكن الحكاية ازدادت قتامة مع تطورها، لتنحرف عن الكوميديا السوداء نحو التراجيديا والعظمة، وتتحول إلى رمز هوليوودي راسخ لا يقل حضوراً عن اللافتة الضخمة بقياس 50 قدماً التي تحمل اسم عملاقة السينما على جبل لي.

إنه حكاية شبحية عن ماض قريب يرفض أن يبقى مدفوناً، قصة أشباح من هوليوود لا يكون فيها الأموات سوى الراوي الشاب الممدد على وجهه في المسبح، ويعلق قائلاً “من المدهش كم يصبح الناس لطفاء معك حين تموت”، ولعل ذلك لأن الموتى أقل إرباكاً وأقل إزعاجاً وتهديداً، وأقل احتمالاً من أن يقتحموا أبواب استوديو باراماونت مطالبين بتأدية دور شخصية سالومي الأسطورية، مثلما فعلت نورما ديزموند في الفيلم، لما تراه في نفسها من نجمة عظيمة تستحق تجسيد هذه الشخصية ذات الحضور الطاغي.

بالتأكيد هناك كثير من الأفلام الممتعة والمتفائلة عن صناعة السينما، مثل “الغناء تحت المطر” Singin’ in the Rain (1952)، و”بوفينغر” Bowfinger (1999)، و”الفنان” The Artist (2012)، لكن الأعمال القاسية أكثر نجاحاً في إيصال الحقيقة، ربما لأنها تهتم بالواقع أكثر من الوهم حتى عندما تكون الحقيقة غامضة ومقلقة ومشوبة بالخداع بعض الشيء.

يقدم “سانست بوليفار” تحية احترام لمجموعات “قصص بات هوبي” Pat Hobby Stories للكاتب إف سكوت فيتزجيرالد ورواية ناثانيل ويست الوحشية “يوم الجراد” The Day of the Locust الصادرة عام 1939 من خلال تصويره هوامش الصناعة وعالم الكواليس البالي المليء بالمندثرين والفاشلين، بينما يمهد الطريق لكل الإنتاجات التي ستلي ذلك، وتُبين هذه الأعمال أن معظم سكان هوليوود مدمنون على أحلام غير قابلة للتحقق، وأن كثيرين يشعرون بالتجاهل والخيانة، وبعضهم يقف على حافة الجنون.

أنا معجب بمعظم الأفلام التي تكشف خبايا هوليوود، وكلما زادت قتامتها كلما كان ذلك أفضل، فهي أشبه بنسخة إبداعية من إيذاء النفس، وأفلام مثل “خرائط النجوم” Maps to the Stars (2014)، و”المادة” The Substance (2024)، و”شيطان النيون” The Neon Demon (2016) تحب تصوير لوس أنجليس ككابوس هستيري فاقع الألوان، حيث تكون كل المشاعر متضخمة وكل الأنوار ساطعة.

تقوم أفلام مثل “طريق مولهولاند” Mulholland Drive (2013) و”الأخاديد” The Canyons (2013) بتصوير لوس أنجليس كعالم سفلي أسطوري مختنق بالدخان ومهدد بالأخطار، لكن جميع هذه الأعمال في جوهرها أفلام رعب طويلة مليئة بالمخلوقات، ويمكن قراءة شخصياتها كمصاصي دماء أو زومبي أو أشباح، وعاجلاً أم آجلاً لا بد من أن تنفجر هذه الشخصيات أو تنحرف عن مسارها، أما المعالجة السينمائية التي قدمها جون شليزنجر عام 1975 لرواية “يوم الجراد” فتنتهي بأعمال شغب كارثية أمام مسرح غراومان الصيني، حيث يقوم حشد غاضب بهدم مصنع الأحلام حرفياً.

تهمس نورما ديزموند في نهاية “شارع الغروب” أن “النجوم لا يشيخون، أليس كذلك؟” وهي تجد بعض العزاء في هذا الاعتقاد على رغم أنني لست متأكداً من وجاهة ذلك، فربما يصل كل منا إلى الذروة في مرحلة الشباب، سواء جسدياً أو مهنياً أو في الناحيتين معاً، ثم ننتقل بعد ذلك، إذا حالفنا الحظ، إلى مرحلة من الانحدار الهادئ والمدار بعناية، ونودع الذكريات الثمينة بعد إيداعها في صندوق مغلق نحفظه في العلية.

النجوم فقط هم المحظوظون أو الملعونون بما يكفي ليجري حفظ أوج مجدهم إلى الأبد على الشاشة، ويجري عرضه بصورة يبلغ ارتفاعها 10 أقدام مذكرة باستمرار بما فقدوه بالضبط.

ويصل الأمر إلى حد يشعر فيه الفرد بشبابه السابق كوجود مستقل أو كنسخة شريرة من ذاته أكثر نجاحاً وجاذبية، ويفسر هذا موضوع الهوية المزدوجة في “طريق [شارع] مولهولاند”، رائعة ديفيد لينش، وكذلك ظهور النموذج الشاب الوحشي في “المادة” للمخرجة كورالي فارجاه، لكنه يفسر أيضاً الرعب القوطي الذي يتسلل إلى “سانست بوليفار”، الفيلم الذي يحكي قصة امرأة تطاردها النجمة الشابة التي كانت عليها في السابق، فتصبح بدورها شبحاً يسكن الاستوديو المعد والجاهز لأخذ لقطات قريبة لها.

 في الذكرى الـ75 على إطلاقه تشهد دور السينما البريطانية حالياً إعادة عرض فيلم “شارع الغروب”.