لم تعد قضية الأمير الوهمي “أبو عمر” مجرّد ملف احتيال كلاسيكي، ولا فضيحة عابرة في التداخل المزمن بين السياسة والدين في لبنان. ما تكشف حتى الآن يضع القضاء اللبناني أمام مسؤولية استثنائية: هل نحن أمام عملية نصب فردية هدفها المال والنفوذ، أم أمام استخدام منظم، وربما متدرّج، لمكانة رجل دين معمَّم كأداة تأثير سياسي ـ ديني، بإيحاءات خارجية، وبتداعيات تتجاوز الأشخاص إلى بنية النظام اللبناني؟
مصادر قضائية أكدت لـ”نداء الوطن” أن القضاء يتعامل مع هذا الملف بأقصى درجات الجدية، بعيدًا من التكهنات والتسريبات، بهدف استكمال التحقيقات وتعقب كل الخيوط التي قد تفضي إلى كشف حقيقة ما حصل.
وتشدد المصادر على أن قضية “الأمير الوهمي” خرجت من إطار الشبهات الإعلامية، لتصبح ملفًا قضائيًا مكتمل الأركان، تُستكمل فيه التحقيقات الأولية التي تجريها مديرية المخابرات في الجيش اللبناني بإشراف مباشر من النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار، والمحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب، تمهيدًا لإحالة الموقوفين إلى قاضي التحقيق المختص خلال أيام، لاتخاذ الإجراءات القانونية وصولًا إلى القرار الظني، في قضية تحولت إلى شأن عام ذي أبعاد محلية وإقليمية.
منذ سنوات، تسلّل اسم “أبو عمر” بهدوء إلى مجالس سياسية مغلقة. لم يكن حضوره إعلاميًا، بل فُرض عبر الهاتف والرسائل والإيحاءات. مصطفى الحسيان، الذي انتحل صفة أمير في الديوان الملكي السعودي لأكثر من ثلاث سنوات، أقرّ في إفادته أمس أمام النيابة العامة التمييزية بأنه قام بذلك بناءً على طلب مباشر من الشيخ خلدون عريمط. ووفق ما ورد في التحقيق، اقتصر دور الحسيان، الملقب بـ”أبو عمر”، على التواصل مع شخصيات محددة، وطلب “الاهتمام بالشيخ”، من دون تقديم أي وعود سياسية مباشرة أو مالية، في المرحلة الأولى من المخطط.
اختراق الساحة السنيّة، واستدراج عدد من المتمولين والنافذين فيها، لم يكن مهمة صعبة على رجل يتمتع بحضور دائم إلى جانب مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، ويمثله في عدد كبير من المناسبات. فقد استفاد الشيخ خلدون عريمط من هذه الثقة لتوسيع شبكة علاقاته، والتدخل لدى سياسيين وفاعليات، وصولًا إلى التواصل مع أعضاء في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، ناقلًا إليهم ما قُدّم على أنه “تمنّ خارجي” بالتمديد للمفتي، خلافًا لموقف دار الفتوى المعلن في أيلول 2023، الذي أكّد فيه المفتي رفضه القاطع لأي تمديد.
حرص عريمط على هذا المسار لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل بدا، وفق معطيات التحقيق، جزءًا من تثبيت موقعه بوصفه قناة “موثوقة” تنقل ما يُسوّق على أنه رغبة سعودية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول الدوافع الحقيقية لهذا السلوك، وحدود استخدام الرمزية الدينية في لعبة النفوذ.
كثيرون وقعوا في شباك “الأمير الوهمي”، غير أن رجل الأعمال أحمد حدارة كان السبّاق في كشف الخيط الأول. فقد استدرج مصطفى الحسيان، وانتزع منه إفادة مصوّرة أقرّ خلالها بانتحاله صفة “أبو عمر” وبعمله بطلب من الشيخ خلدون عريمط. تحولت هذه الإفادة إلى إخبار وشكوى أمام النيابة العامة التمييزية، ما أدى إلى توقيف الحسيان من قبل مخابرات الجيش منذ أكثر من شهر، على خلفية انتحال الصفة، فضلًا عن شبهات تتعلق بجرائم تهريب عبر الحدود اللبنانية – السورية.
توسّعت التحقيقات لاحقًا لتشمل الشيخ خلدون عريمط، الذي استُمع إلى إفادته وأُبقي موقوفًا بإشارة من القاضي الحجار. واستكملت مديرية المخابرات تحقيقاتها الأوليّة، واستمعت أمس إلى الشيخ خالد السبسبي لساعات طويلة، وتركته رهن التحقيق لمقارنة أقواله مع إفادة الشيخ عريمط قبل ختم التحقيق وإحالته إلى النيابة العامة التمييزية. في حين استمع المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب، بإشراف النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار الذي يتابع التحقيقات في مكتبه، إلى عدد من السياسيين، بينهم النائب فؤاد مخزومي، والوزير السابق محمد شقير، إضافة إلى أحمد حدارة قبل أيام.
واستُكملت التحقيقات أمس مع النائب محمد سليمان، واستُجوب الموقوف مصطفى الحسيان “أبو عمر” لما يقارب ثلاث ساعات. وقد تمحورت إفادات معظمهم حول نفي تحويل أي أموال إلى “أبو عمر”، في محاولة واضحة لتفادي التورط المالي المباشر. وأفادت مصادر “نداء الوطن” أن النائب محمد سليمان أكد أن التواصل اقتصر على شؤون عشائرية بحتة، بصفته نائبًا يمثلها.
غير أن إفادة مصطفى الحسيان شكّلت المفصل الأبرز. فقد أقرّ أمام النيابة العامة بأنه كان أداة تنفيذ، يتلقى التعليمات من الشيخ عريمط، الذي زوّده برقم هاتف بريطاني، وطلب منه استغلال لكنته العربية للإيحاء بأنه أمير سعودي. وأوضح أن عريمط كان يتصل به بحضور الشخصيات المستهدفة، ليقتصر دوره على الطلب منهم “الاهتمام بالشيخ”، من دون أي مبادرة ذاتية منه للتواصل مع السياسيين.
وأكد الحسيان أنه لم يتواصل مع رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، ولا مع نواب من حزب “القوات اللبنانية”، كما نفى أي اتصال مباشر مع السيدة بهية الحريري، موضحًا أن اتصال التعزية الذي جرى كان عبر هاتف الشيخ عريمط. ولكن بعد بيان السيدة الحريري أمس الذي كشفت فيه أنها تلقت اتصالًا على هاتف السنيورة من “أبو عمر”، ثمة سؤال يطرح: هل يوجد اثنان “أبو عمر” وليس واحدًا؟
اليوم، ومع اقتراب إحالة الحسيان إلى قاضي التحقيق بجرم انتحال الصفة والاحتيال، ترجّح مصادر متابعة أن يعاود النائب العام التمييزي الاستماع إليه مجددًا، بعد استكمال استجواب الشيخ خلدون عريمط وآخرين.
القضية وفق المتابعين، لم تعد قضية “أبو عمر” بحد ذاته. هو لم يكن سوى صندوق أسود فُتح، وبدأ يكشف مآثر الشيخ خلدون عريمط المستفيد الأبرز. والسؤال الحقيقي لم يعد من انتحل الصفة، بل من سمح له، ولماذا، ولحساب من… قبل طوي الملف أسوة بملفات كثيرة قبله.
