الشارقة 24:
استضاف النادي الثقافي العربي بالشارقة مساء الجمعة الباحث الدكتور عبد الله إبراهيم أستاذ الدراسات السردية في محاضرة بعنوان “الإرث السردي”، وأدار جلسة المحاضرة الدكتور صالح هويدي، وذلك بحضور الدكتور عمر عبد العزيز رئيس مجلس إدارة النادي ونخبة من الأدباء والمثقفين.
وفي تقديمه للمحاضر قال د.صالح هويدي إنه زامل د. عبد الله إبراهيم في جامعات العراق وليبيا، وعرف عنه دأبه وإخلاصه في البحث العلمي، وقد تخصص في الدراسات السردية والثقافية وهو عضو هيئات استشارية لعدد من مراكز البحوث والمجلات العلمية، شغل وظيفة أستاذ جامعي في عدد من الجامعات العربية، وحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الآداب، وجائزة الشيخ زايد للكتاب وجائزة سلطان العويس الثقافية في الدراسات النقدية وجائزة شومان للعلماء والمفكرين العرب، ورئيس وعضو هيئات تحكيم عدد من الجوائز العربية المرموقة، وأصدر أكثر من 25 كتابا، ومن مؤلفاته (موسوعة السرد العربي تسعة أجزاء)، و(المطابقة والاختلاف) و(الرواية العربية.. الأبنية السردية والدلالية) وغيرها.
استهل د. عبد الله إبراهيم محاضرته بالقول بأن الظواهر الثقافية لا تعالج من دون مفاهيم نابعة منها، بين الظواهر ومفاهيمها علاقة تفاعل وتحاور، فكل منهما يعدل الآخر ويطوره، وأشد ما عاناه العرب في دراسة الظاهرة السردية هي إقحام مفاهيم غريبة عليها، ظلت بعيدة من استنكناه حقيقتها، وغير قادرة على تطويرها، فلم تؤثر أي منهما على الأخرى.
وأضاف د. إبراهيم أن كل بحث يبدأ بوسيلة ويطلب غاية ويصدر عن رؤية ويأخذ بمنهج، وبحث السردية العربية يتوخى وسيلته هي المفاهيم الأصيلة للسرد العربي وغايته استجلاء حقيقة هذه السردية انطلاقا من رؤية تقول بخصوصيتها وجماليتها وامتلاكها لآليتها الخاصة.
وقال د. إبراهيم إن إنه بعد عقود من البحث في السردية العربية خلص إلى أن مفهوم السرد العربي من إرث راسخ وواسع هو الذي حدد هذا المفهوم وأعطاه آلياته وأبعاده، وقد حددت الدلالة اللغوية الأولى أسس هذا المفهوم فالسرد في اللغة يعني: “نسج الكلام والإتقان في سبكه، ويعني أيضا (تمام الصنعة)، كما قال تعالى في خطاب دود عليه السلام (وقدر في السرد)، ومن هذا الجذر اللغوي ارتسمت الدلالة الاصطلاحية للسرد عند العرب، وهي: (الإجادة في سوق الأخبار وترتيب عناصرها، وجودة سبكها) فتكون بذلك قاردة على الإبلاغ، فحيث ما وجدت الأخبار المسبوكة فإنها تنتقى وتروى أما إذا خلت من جودة السبك فلا تروى ولا يعبأ بها.
ولاحظ د. عبد الله إبراهيم إلى أن هذا المفهوم الأصيل للسرد العربي ركناه جانبا، واستبدلناه بمصطلحات أخرى غربية، في حين أن الثقافة العربية هي في حقيقتها ظاهرة سردية بامتياز، ويعتبر القرآن العظيم بما فيه حسن السبك وجودة النظم وبراعة الترتيب للأحداث والقصص نموذجاً فريداً للسرد، وكذلك الحديث النبوي، ومع توسع الثقافة العربية وتوسع مجالاتها ظهرت السرديات العربية الأخرى الكثيرة كالسير والمغازي وكتب التاريخ والجغرافيا وكتب الرحالة وكتب المجالس والأمالي وكتب الأدب، وغيرها، والناظر إلى تاريخ السرد العربي يمكن أن يقول إن السرد هو ديوان العرب وليس الشعر، فلم يكن الشعر إلا شيئا هامشيا ضئيلا إلى جانب المدونة السردية الكبرى التي تشكلت منها الثقافة العربية، وحتى قبل الإسلام كانت السردية الجاهلية قائمة على شكل قصص ومرويات وأحداث هي الوعاء الذي شكل ثقافة العرب آنذاك وعقائدهم وأديانهم، وقد حارب الإسلام تلك السردية وقضى عليها، لأنها تحمل عقائد وثنية وعادات جاهلية لا تتماشى وتعاليم الإسلام التوحيدية والأخلاقية، ولذلك لم تصل إلينا تلك السردية، بينما وصل الشعر لأنه كان الشعر تعبيراً وجدانياً عن الذات والأحاسيس بإيقاع مؤثر، ولم يحمل أية عقائد ولا تصورات إيمانية، فلذلك لم يحاربه الإسلام فعبر العصور حتى وصل إلينا.
وأضاف د. عبد الله إبراهيم أن كلمة “السردية” مصدر صناعي يدل على التسمية والوصف معا، وهي لا تختلق ولا تنشأ من فراغ، وإنما تستخلص من مسار طويل من الإبداع والعطاء الثقافي، وهي تنتمي إلى الحقل التحليلي للدراسات الحديثة، وهي محايدة، ولكن الحيادية لا تعني غياب المفهوم لأن المحتوى يدخل أحيانا في تحديد مفهومها، وعلى ضوء هذا المفهوم المحايد ينبغي الاستفادة من مفاهيم السردية الغربية وغيرها من السرديات، ولكن لا يجوز إقحام تلك المفاهيم على السردية العربية وإخضاعها لها كلية، فحينما نرغم آداب أمة على لاستجابة لمفاهيم سرديات أخرى، فإننا نظلم تلك الآداب ونحكم عليها بالإلغاء، وهذا الإقحام في ما يبدو لي هو الذي جعلنا لم نفلح إلى اليوم في إنتاج فكر نقدي عربي، ولم نهتم بتطوير مفهوم للسردية العربية، رغم عظمة الآداب العربية.
