يرى الصحافي كينيث آر روزن أن عام 2026 مرشح لأن يكون حافلاً بأخبار المناورات الروسية، ففي كتابه المقلق والكاشف “حرب قطبية: الغواصات، والجواسيس، وصراع النفوذ في قطب يذوب” Polar War: Submarines, Spies and the Struggle for Power in a Melting Arctic (الصادر عن دار بروفايل بوكس) يصف نهج موسكو في سياساتها الخارجية والعسكرية باعتباره مصدر إرباك وقلق دائمين للدول الغربية. ويتوقف روزن عند الحدود الممتدة لمسافة 1340 كيلومتراً بين روسيا وفنلندا بوصفها نقطة توتر رئيسة، مشيراً إلى أن حكومة فلاديمير بوتين دفعت، بحسب الكتاب، نحو 1300 مهاجر سنوياً إلى داخل الأراضي الفنلندية “بقصد إثارة الاضطراب”. كذلك يكشف أن فنلندا شيدت 50500 ملجأ من القصف لحماية سكانها، بينها 5 آلاف في العاصمة هلسنكي، التي يصفها بأنها “مدينة قائمة بذاتها تحت الأرض”.

وعلى نحو مختلف، تقدم إلويز موس في دراستها المحكمة “الحياة السرية للفنادق: الجنس والجريمة والاحتجاج في بيوت الضيافة البريطانية منذ 1981” The Secret Life of the Hotel: Sex, Crime and Protest in British Guesthouses Since 1981 (عن دار بلومزبري أكاديميك) صورة قاتمة وغير مُجَمّلة للوجه الخفي من الحياة البريطانية. وتذكر بأن العنصرية كانت شائعة في بدايات القرن الـ٢٠، موثقة حادثة رفض استقبال الممثل والمغني الأسود بول روبسون في فندق سافوي الشهير عام 1929. وتكشف أن الفنادق شكلت بيئات خطرة على عاملات التنظيف، اللواتي واجهن أخطاراً جسيمة من الاعتداء الجنسي وظروف العمل بالغة السوء. وعلى رغم أن هذه الأماكن كثيراً ما احتضنت علاقات غرامية سرية، فإنها كانت أقل ترحيباً بزبائن مجتمع الميم، إلى حد أن هيئة السياحة الإنجليزية رفضت عام 1976 إدراج فندق قرب ليتلهامبتون في دليلها لأنه “يرحب بالمثليين بأذرع مفتوحة”. “الحياة السرية للفنادق” بلا شك كتاب يفتح الأعين على تاريخ مسكوت عنه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عادة ما يكون يناير (كانون الثاني) غنياً بالإصدارات الأدبية، ومن بين الكتب التي أوصي بها بشدة: مجموعة القصص القصيرة الخيالية والفكاهية “شمس واحدة فقط” One Sun Only لكاميل بوردا (عن دار سيربنتس تيل)، والرواية الأولى المظلمة والجميلة للشاعر نيل رولنسون “الأموات لا ينزفون” The Dead Don’t Bleed (عن دار فينتج)، والرواية المؤثرة “هنا حيث يعيش الثعبان” This is Where the Serpent Lives (عن دار بلومزبري) لـدانييل معين الدين، التي تدور أحداثها في باكستان، إضافة إلى الرواية المبتكرة والبارعة “دور شرف” Cameo (عن دار وايدنفيلد أند نيكولسون) لروب دويل، وهي عمل ساخر وذكي حول الطموح الأدبي.

نستعرض في ما يلي بصورة مفصلة ترشيحاتنا لهذا الشهر في فئات السيرة الذاتية، والرواية، والكتب غير الأدبية.

ألكسندر لارمان يقدم تصويراً آسراً لموسيقي متقلب الطباع، يجمع بين النزق والسخرية، واللطف والقسوة (سايمون أند شاستر)

ألكسندر لارمان يقدم تصويراً آسراً لموسيقي متقلب الطباع، يجمع بين النزق والسخرية، واللطف والقسوة (سايمون أند شاستر)

السيرة الذاتية للشهر: “لازاروس: العودة الثانية لديفيد بوي” Lazarus: The Second Coming of David Bowie لألكسندر لارمان ★★★★☆

مع بداية هذا العام، تشهد الساحة الأدبية تدفق عدد من الكتب عن ديفيد بوي لمناسبة مرور 10 سنوات على وفاة الموسيقي عن عمر 69 سنة في يناير عام 2016. وعلى رغم أن الكاتب والمؤرخ ألكسندر لارمان لا يخفي أبداً كونه من عشاق بوي – إذ يصفه بأنه “أعظم موسيقي بريطاني في فترة ما بعد الحرب” – فإن دراسته لبوي في مرحلة متأخرة من مسيرته جاءت متوازنة وحادة ودقيقة.

يغطي كتاب “لازاروس” 12 ألبوماً، بدءاً من ألبوم “تن ماشين” Tin Machine الصادر عام 1989 وصولاً إلى “بلاكستار” Blackstar في عام 2016. ويصف لارمان ألبوم “تن ماشين” بأنه، في بعض أجزائه، “ضوضاء مزعجة وقبيحة”، ويستنكر ألبوم “إيرثلينغ” Earthling الصادر عام 1997 باعتبار “الاستماع إليه شبه مستحيل في بعض الأماكن”. ومع ذلك، شهدت تلك الفترة بعض النجاحات، بما في ذلك الألبوم الذي لم يحظ بما يستحق من تقدير “ذا بودا أوف سابيربيا” The Buddha of Suburbia الذي تم تأليفه من أجل سلسلة تلفزيونية من إنتاج “بي بي سي” تحمل العنوان نفسه. وتُروى بصورة جذابة قصة تعاون بوي مع الكاتب المسرحي حنيف قريشي لإنجاز هذه الموسيقى التصويرية.

يتناول الكتاب أيضاً علاقة بوي بالمؤلف ويليام بويد، الذي يقدم رؤى دقيقة حول عالم بوي الصاخب. ويكشف لارمان أن المغني لم يخبر بويد أبداً بعنوانه الشخصي، بل كان يطلب منه التواصل عبر كتابة رسائل إلى عنوان في جنيف مع توجيهها إلى شخص يدعى “السيد شميت”.

يقدم لارمان تصويراً آسراً لموسيقي متقلب الطباع، يجمع بين النزق والسخرية، واللطف والقسوة – أحياناً مع الشخص نفسه. كان بوي يمتلك لساناً لاذعاً (فقد صرح مرة قائلاً: “أنا مستغرب من وجود روبي ويليامز من أساسه في البوب البريطاني. يبدو كل ما يقدمه مثل العروض الترفيهية على السفن السياحية”). وهناك قصص طريفة عن لقاءاته المؤلمة مع لوسيان فرويد، وموريسي، وتيري ووغان، وآندي وارهول. لم يكن من الممكن الوثوق برواية بوي لحياته الخاصة (وكان ماهراً في التلاعب بالمحاورين)، وقد قال عازف الغيتار الذي عمل معه، إريك شيرميرهورن، بصراحة إن بوي كان أحياناً “حقيراً وغشاشاً”.

على كل حال، أخبر العازف نفسه لارمان عن اللطف الفريد الذي أبداه النجم في تأمين أعمال له مع كريسي هايند وإيغي بوب.

ويقدم لارمان سرداً مشوقاً لمسيرة بوي المتفاوتة في السينما. فعلى رغم تألقه في أفلام مثل “الرجل الذي سقط إلى الأرض” The Man Who Fell to Earth و”ميلاد مجيد سيد لورنس” Merry Christmas, Mr Lawrence، فقد قال نجم هوليوود آندي سيركيس إن المغني “بدا وكأنه ينتحل الشخصيات إلى حد ما” عندما كان يمثل.

كان بوي يتمتع بروح الدعابة حتى حيال إخفاقاته، إذ علق على دوره كعشيق مأجور من بروسيا (ألمانيا) في فيلم لديفيد هيمينغز قائلاً إنه كان بمثابة “32 فيلماً لإلفيس بريسلي مجتمعة في فيلم واحد”. ومن المفاجآت أيضاً أن بوي وميك جاغر أبديا اهتماماً بالشراكة في فيلم تحول لاحقاً إلى “أوغاد فاسدون” Dirty Rotten Scoundrels من بطولة مايكل كين وستيف مارتن.

يقدّم كتاب “لازاروس” لمحة مسلية تسلط الضوء على عالم ديفيد بوي الغريب، ذلك الفتى الآتي من منطقة بريكستون في لندن الذي أصبح ظاهرة عالمية. مع انتهائي من قراءة الكتاب صار لدي تقدير لمعايير بوي الدقيقة في حرفته، وعلى رغم عيوبه شعرت أيضاً بدرجة من التعاطف تجاه نجم عالمي كانت متطلباته البسيطة وراء الكواليس تقتصر على لفافة لحم مقدد.

صدر كتاب “لازاروس: العودة الثانية لـديفيد بوي” لألكسندر لارمان عن دار نيو مودرن في الأول من يناير وتباع النسخة الواحدة بسعر 25 جنيهاً استرلينياً.

يصدر كتاب "مغادرة/ات" بعد ثلاثة أيام من بلوغ جوليان بارنز عامه الـ80، ليكون عمله الأخير (بنغوين)

يصدر كتاب “مغادرة/ات” بعد ثلاثة أيام من بلوغ جوليان بارنز عامه الـ80، ليكون عمله الأخير (بنغوين)

الكتاب غير الروائي للشهر: “مغادرة/ات” Departure(s) لـجوليان بارنز ★★★★☆

سيصدر كتاب “مغادرة/ات” بعد ثلاثة أيام من بلوغ جوليان بارنز عامه الـ80، ويعد العمل الأخير لمؤلف يمتلك أرشيفاً حافلاً من الإنجازات الأدبية البارزة.

تمثل تقلبات الذاكرة وخداعها الموضوع الرئيس في كتاب مؤثر وجذاب، يصوغ المؤلف فيه تأملات ومواقف ذاتية صريحة، معترفاً بأنه أصبح “متأكداً من عدد أقل من الأشياء في هذه الأيام”. ويرى بارنز أن قيمة الكتابة غالباً ما تكمن في اختصار الطريق إلى صلب الموضوع، لذا جاء هذا الكتاب قصيراً، لا يتجاوز 157 صفحة غنية بالمحتوى.

يتناول “مغادرة/ات” جسد المؤلف المتداعي من خلال قصص وملاحظات ساخرة وتأملات، مستعرضاً تجاربه في مواجهة جائحة كورونا أثناء تشخيصه بسرطان الدم. وقد يكون هناك ما يجمعني بشخصيته “العجوز المتشائمة”، أكثر مما لدى القراء الأصغر سناً، لكنني ضحكت بصوت عالٍ عندما اعترف بأنه عند بدء الإغلاق المرافق للجائحة اشترى مجموعة تحتوي على 30 قرصاً من أفلام إنغمار بيرغمان. كذلك يعترف بأن بعض أصدقائه وجدوا هذا التصرف غريباً، إن لم يكن مريباً بالفعل.

وفي خضم هذا التأمل الشخصي في نهاية الحياة وفداحة لا مبالاة الكون، يقدم بارنز قصة خيالية أو ربما حقيقية لزوجين كان يعرفهما، يدعيان ستيفن وجين، أحب أحدهما الآخر في صغرهما -ثم أغرما مجدداً في كبرهما. ويبدو أن بارنز كان محورياً في فترتي ارتباطهما، ويسلط سرده الرقيق والساخر الضوء على تأثير الزمن في الحب، والثبات المدهش للألم العاطفي، والطبيعة الماكرة للذاكرة واستحضار الأحداث الماضية.

ويشير بارنز إلى أن الروائيين “يريدون تقديم مادة مسلية، وكشف الحقيقة، والتأثير، وتحفيز التأمل” – وكتاب “مغادرة/ات” يحقق كل ذلك بجدارة، ليكون وداعاً أدبياً جميلاً ومؤثراً.

سيصدر كتاب “مغادرة/ات” لجوليان بارنز عن دار جوناثان كيب في الـ22 من يناير وتباع النسخة الواحدة بسعر 18.99 جنيه استرليني.

تتجاوز هذه الرواية الساخرة في فوضاها وخفة دمها رواية الكاتب "لينكولن في الباردو" التي أكسبته جائزة بوكر عام 2017 (بلومزبري)

تتجاوز هذه الرواية الساخرة في فوضاها وخفة دمها رواية الكاتب “لينكولن في الباردو” التي أكسبته جائزة بوكر عام 2017 (بلومزبري)

رواية الشهر: “اليقظة” Vigil لـجورج سوندرز ★★★★☆

تبدأ رواية جورج سوندرز الجديدة “اليقظة” بمشهد البارون النفطي النافذ كيه جي بون وهو على فراش الموت في أحد قصوره العديدة. نتعرف إلى غروره الهائل من خلال ما تلاحظه الراوية من عالم الأرواح جيل “دول” بلاين: دروع، ولوحات باهظة مؤطرة بالذهب، وصور تجمع بون مع الأثرياء وأصحاب النفوذ، بل وحتى صورة له في حديقة الورود بالبيت الأبيض (على الأرجح قبل أن يستبدل دونالد ترمب بالعشب بلاطاً حجرياً ليحاكي منتجعه في مارالاغو).

خلال ليلة واحدة، تتولى جيل مهمة مساعدة بون على العبور إلى عالم الأرواح، وهي مهمة أنجزتها 343 مرة من قبل مع مرضى في مراحلهم الأخيرة، دائماً على أمل أن يجدوا السلام أو يواجهوا أخطاءهم. لكن عندما تتعامل مع بون وتسمع أفكاره، تبدأ في كره هذا الرجل المتعجرف الأناني المعادي للنساء.

كتب سوندرز ببراعة عن الموت والعالم الآخر في “لينكولن في الباردو” Lincoln in the Bardo. أما “اليقظة”، فبينما تطرح أسئلة عميقة عن الذنب والعدالة والنفاق والخلاص، تمضي إلى مساحة أكثر فوضوية وسخرية من تلك التحفة الفائزة بجائزة بوكر عام 2017، مع أرواح منفلتة وأشباح مثيرة للشفقة. وتظهر مشاهد طريفة مع عائلة بون، إذ تشكر ابنته الوهمية الرب “على هبة هذا الرجل”، فيما تكشف الرواية بمهارة نموذجاً لقصة نجاح حديثة ذات “قدرة محدودة على التأمل الذاتي”.

وبينما يتكشف السلوك غير الأخلاقي لبون، يقدم سوندرز تأملاً في الطبيعة التلاعبية للغة الحديثة (من بين مراكز الأبحاث الوهمية للطاقة التي أنشأها قطب النفط لطمس الحقيقة في شأن التغير المناخي، كانت هناك منظمة “تحالف الأرض الصحية” التي تحمل اسماً يوحي بالنزاهة بصورة متعمدة)، وذلك النوع من الكلمات التي يستخدمها الأثرياء للغاية الذين يجنون الأموال الطائلة لتحقير منتقديهم (“مثيرو الشغب”، و”ناشرو التشاؤم”، و”الحمقى الليبراليون”، على سبيل المثال).

وعلى رغم أن قصة الراوية ’جيل‘ ذاتها لافتة – إذ قُتلت وهي صغيرة بانفجار استهدف زوجها أرسله قاتل عمّر إلى سن الشيخوخة و”برّر” جريمته – يظل التركيز الرئيس للرواية على تجربة بون في نهاية حياته. فهو يعلم مدى جرائمه ولا يصاب بالصدمة أو الخجل منها، فهو في نهاية المطاف شخص “متنمر ومخرب ومدمر للعالم لا يندم”.

ومع أنه من الصعب التأمل في موضوع الرواية، إلا أن سوندرز يضفي لمسة من المرح على الساعات الأخيرة القاتمة من حياة بون، الذي يكره حاجته إلى لبس الحفاضات وتلقّي العناية من مقدمة رعاية أجنبية يصفها ساخراً بأنها “سمينة غبية، قصيرة القامة غير كفؤة”. ولا يزال يعتقد أنه سيرجع إلى البيت للقاء “إلهه العزيز”، لكن لدى سوندرز خطط أخرى.

لقد استمتعت بهذه الرواية الساخرة والماكرة، التي تتناغم بعمق مع عصرنا المتشظي والأناني. ووفق تعبير سوندرز اللاذع، ينتهي بون كـ”كتلة بشعة من اللحم العجوز”، يشبه إلى حد كبير ذلك الكائن البرتقالي الحقيقي الذي يتعثر الآن في حديقة ورود معينة مرصوفة بالحجارة بدل العشب.

وفي النهاية، يترك لنا سوندرز حرية التأمل فيما إذا كان ينبغي علينا حقاً الأمل بحلول يوم حسابنا.

ستصدر رواية “يقظة” لجورج سوندرز عن دار بلومزبري في الـ27 من يناير وتباع النسخة الواحدة بسعر 18.99 جنيه استرليني.