تكتسب الأغاني الموجهة إلى الأطفال قيمة كبيرة، من جهة كونها تخاطب النشء الصغير، وتشكل مفردات تفكيره، وتخط ملامح الحياة في عقله؛ ولذلك فهي نوع من الإبداع الذي يحتاج إلى مستوى عالٍ من الحساسية القادرة على التغلغل في نفس الطفل.

ومع اتساع الثورة التكنولوجية ومظاهر الابتكار، وتسارع تطورات الرقمنة والعالم الافتراضي، ازداد ذلك الفن صعوبة، وأصبح الوصول إلى الطفل وسط هذا الزحام قضية تفرض مهارات مضاعفة على المبدعين، ولعل العودة إلى أسباب خلود أغاني الأطفال القديمة ودراستها تكون الخطوة الأولى في هذا المجال.

آسيا عبد اللاوي

آسيا عبد اللاوي

أكدت الشاعرة الغنائية والكاتبة في مجال أدب الأطفال آسيا عبد اللاوي لـ«البيان» أن الفن الحقيقي لا يحده زمن، وأن الكثير من أغاني الأطفال القديمة أعيد غناؤها، وأحبها أطفال اليوم، وحققت أعلى المشاهدات، مشيرة إلى أن أهم العوامل التي حققت الخلود لتلك الأغاني تكمن في عبقرية اللحن وجمال الموسيقى وإيقاع الكلمات الجاذب وتناغم الأداء، وكلها عناصر تنسجم وتتآلف، مُشكلة ركائز أساسية تبنى عليها الأغنية الناجحة.

وقالت: «إنتاج أغاني الأطفال اليوم مضاعف آلاف المرات مقارنة بما أنتج في الماضي، وهنا لا يمكننا الحكم على أساس العدد؛ لأنه لن يكون هناك توازن ولا تصح المقارنة»، لافتة إلى أن أغاني الأطفال اليوم يغلب عليها الطابع التجاري، بهدف تحقيق الأرباح على موقع «يوتيوب»، ما أنتج كماً هائلاً من الأغاني، التي لا تقدم قيمة فنية ولا تعليمية ولا جمالية.

وأضافت: «في المقابل هناك أغانٍ تم إنتاجها وأحبها الأطفال تحمل أهدافاً تربوية، وتقدم قيماً فنية حقيقية، وهذه الأغاني حين تنتجها جهات ثقافية مختصة وواعية تنطلق من فكر تنموي عميق، تؤدي دوراً فعالاً في بناء مهارات الطفل اللغوية والتواصلية والتأثير في سلوكه».

وأوضحت أن التكنولوجيا فتحت الآفاق للمواهب الحقيقية لتنطلق، وفتحت باباً آخر للأسماء الوهمية والمزيفة لتركب الموجة، فنحن أمام فرص بقدر التحديات، داعية إلى بذل الجهود الصادقة، وتقديم الدعم المكثف من المؤسسات الثقافية والخبراء والمختصين في أدب وعلم نفس الأطفال للإشراف على الإنتاج الفني السمعي والبصري من طرف فنانين وشعراء وموسيقيين وصانعي فيديو؛ لإنتاج أعمال، تتلاءم مع سمات الطفل النفسية والوجدانية والإدراكية.

مخزون غني

أمل ناصر

أمل ناصر

من جانبها رأت الكاتبة في مجال أدب الأطفال أمل ناصر أن الشعر كان هو اللغة الأساسية، التي عبر بها الإنسان العربي عن عواطفه الجياشة منذ عصر الجاهلية، وأن العواطف المخزونة في النفس البشرية كانت تترجم لدى العرب بواسطة التغني، مؤكدة أن هذه السمة الفطرية هي ما أكسب الأغاني القديمة للأطفال أهميتها وسر جمالها، وقدرتها على الخلود.

وقالت: «ازدهرت أشكال أدبية أخرى زاحمت الشعر كالخطابة، وتراجع الشعر في البداية قليلاً، ثم استعاد مكانته الرفيعة»، موضحة أن دراسة قضية الغناء، بما في ذلك أغاني الأطفال، تجبرنا على العودة إلى اللغة العربية والشعر؛ لأن فيهما مخزوناً غنياً يحفل بهوية المجتمع، وعناصر الإبداع الحقيقية.

وعن مدى استفادة أغاني الأطفال في العصر الراهن من طوفان الرقمنة ومنصات التواصل الاجتماعي لفتت إلى أننا ما زلنا نعيش حالياً في ظل تلك الثورة التكنولوجية بزخمها الكثيف، وجوانبها الإيجابية والسلبية، مشيرة إلى ضرورة أن نتأنى وندع تلك الظواهر الجديدة تأخذ وقتها الكافي، لنتمكن من الحكم عليها بإنصاف، ونعرف حقيقة انتفاع فن الغناء للأطفال بها.

وأضافت: «هذا الواقع الرقمي يشكل سلاحاً ذا حدين، ونحن في حاجة إلى مبدعين حقيقيين لكي يحسنوا استخدام هذا السلاح بحده الإيجابي، من خلال العودة إلى جذورنا الأولى، وإقامة التوازن بين شعرنا الأصيل وبين ما نريد تطويره للجيل الجديد من حيث الغناء والفن والإبداع عموماً».