لم يعد غاز شرق المتوسط ملفاً يُدار بحسابات الجيولوجيا وحدها، بل صار معادلة تتقاطع فيها الخرائط البحرية مع خرائط النفوذ. هنا، لا يكفي أن تمتلك الدولة ممراً أو اتفاقاً أو مذكرة تفاهم، الأهم أن تعرف أي شبكة إقليمية تريد أن تدخلها، وبأي شروط، وعلى حساب أي حساسية سياسية، وأي كلفة اقتصادية، وأي أخطار أمنية.
في هذا المشهد، تبدو الخطوات اللبنانية الأخيرة، من الاتفاق البحري مع قبرص إلى مذكرة التفاهم مع مصر، كأنها تتحرك فوق طبقات متعددة في الوقت نفسه: طبقة تقنية تتطلب بنى تحتية وتمويلاً وجدوى، وطبقة إقليمية تتحكم فيها المنافسة بين إسرائيل وتركيا وقبرص واليونان ومصر، وطبقة سياسية داخلية لا تحتمل صدمة الخيارات الكبرى. لذلك، لا يعود السؤال: “هل يمكن للبنان أن يحصل على الغاز؟”، بل يصبح: “أي غاز، ومن أين، وبأي كلفة، وبأي اصطفاف… وهل يمتلك لبنان أصلاً رؤية تُحوّل الاتفاقات إلى سياسة لا إلى مجرد عناوين؟”.
إطار إقليمي معقد
في هذا السياق يرى الباحث والمستشار في سياسات الطاقة الدكتور مارك أيوب أن “العائق الأساس أمام انضمام لبنان إلى منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF) ليس مسألة ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، بل العائق الجوهري بالنسبة إلى لبنان، وكذلك بالنسبة إلى سوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد، يتمثل في وجود إسرائيل في صلب هذا المنتدى، وما يرافق ذلك من تعقيدات جيوسياسية”.
أما السبب الثاني فيشير أيوب إلى أنه “يرتبط بطبيعة المشروع الأساس المطروح ضمن إطار المنتدى، أي مشروع خط أنابيب الغاز في شرق المتوسط (East Mediterranean Gas Pipeline) الممتد بطول 2000 كيلومتر تقريباً، والذي لا يزال غير قابل للتطبيق من الناحية الاقتصادية، إذ يفتقر إلى الجدوى المالية، خصوصاً في ظل تغير المعطيات الجيوسياسية وتبدل خارطة التحالفات في الشرق الأوسط”.
الملف السوري
ويلفت أيوب إلى أن “التحولات الجارية قد تفتح الباب أمام ردة فعل سورية في هذا الملف خلال الأشهر المقبلة، أو ربما خلال السنة إلى السنتين المقبلتين، لا سيما في ما يتعلق بملف الاستكشاف البحري قبالة الساحل السوري، وتحديداً مقابل اللاذقية وطرطوس”، مؤكداً أن أي “تقدم في هذا الاتجاه يبقى مشروطاً بتوافر حد أدنى من الاستقرار الأمني في ظل التطورات الداخلية الراهنة”، ومعتبراً أن “الاستثمارات المحتملة، بما في ذلك الاهتمام الذي تبديه شركات دولية مثل ’شيفرون‘ بالاستثمار في البحر السوري، تتطلب بيئة سياسية وأمنية أكثر استقراراً”.
ويضيف أيوب في هذا الشأن أنه “من المبكر الجزم بما إذا كانت سوريا ستتجه خلال السنوات المقبلة إلى فتح قنوات مشاورات أو مفاوضات غير معلنة مع إسرائيل، تمهيداً لانخراط محتمل في المنتدى”، معتبراً أن “هذا الخيار يبقى مرتبطاً بمسار المفاوضات السياسية والأمنية القائمة، سواء على مستوى الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، أو على مستوى الجانب اللبناني عبر الآليات التفاوضية المعتمدة حالياً”.
اتفاق قبرص
أما في ما يتعلق باتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص فأشار أيوب إلى أن “هذا الاتفاق يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى قبرص، نظراً لاستعدادها لبدء عمليات الاستكشاف في حقل ’كرونوس‘ في عام 2026، تمهيداً لمرحلة الإنتاج، ما يفسر حرصها على حسم ملف الترسيم. غير أن هذا المسار لا يلغي استمرار التعقيدات المرتبطة بالوضع السوري والموقف التركي، ولا سيما ما إذا كانت أنقرة ستسمح لسوريا بالمضي قدماً في ترسيم حدودها البحرية مع كل من لبنان وقبرص”.
وأكد أيوب أن “الاتفاق اللبناني – القبرصي يعد خطوة إيجابية لكلا البلدين، إلا أنه لا يمكن فصله عن السياق السياسي – الأمني الأوسع في المنطقة”، معتبراً أن “أي تقدم فعلي في ملف انضمام لبنان إلى منتدى غاز شرق المتوسط سيبقى مرهوناً بنضوج المسار السياسي والمفاوضات الإقليمية المرتبطة به”.
وقال إنه، وبصورة عامة، “يمكن توصيف الواقع القائم بعبارة ’فاقد الشيء لا يعطيه‘”، لافتاً إلى أن “مصر لم تعد دولة مصدِّرة للغاز الطبيعي، بل تحولت إلى دولة مستورِدة له. الأرقام المتوافرة تُظهر أن مصر، من الآن وحتى ما بعد عام 2030، لن تكون قادرة على إنتاج كميات إضافية من الغاز من آبار جديدة، على رغم استمرار الإنتاج من حقل ’ظهر‘، إذ يُستهلك هذا الغاز بالكامل تقريباً لتلبية الطلب المحلي، ما يمنع تصديره”، معتبراً أن “الاتفاقات الأخيرة التي وُقّعت بين مصر وإسرائيل تعكس مستوى مرتفعاً من الاعتماد المصري على الغاز الإسرائيلي، وهو اعتماد مرشح للاستمرار حتى عامي 2035 و2040″، مضيفاً أن “مصر باتت، منذ عامي 2022 و2023، ولا سيما بعد حرب غزة، مستورِدة أساسية للغاز الإسرائيلي”.
مصر والغاز
وبناءً على ذلك شدد المتحدث ذاته على أن “مصر غير قادرة حالياً على تصدير الغاز إلى لبنان. وأي غاز قد يصل إلى لبنان عبر مصر في المدى القريب سيكون إما غازاً إسرائيلياً بالكامل، أو غازاً مختلطاً يحتوي على نسبة كبيرة من الغاز الإسرائيلي”. وخلص إلى أن “مذكرة التفاهم الموقعة في هذا السياق تندرج أكثر في إطار التعاون العام أو الإطار السياسي، من دون أن تعني عملياً قدرة مصر على تزويد لبنان بالغاز من إنتاجها الخاص”.
منافسة إقليمية
في البعد الجيوسياسي أوضحت لوري هايتيان الخبيرة في سياسات الطاقة المهتمة بصورة خاصة بالشؤون الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن “المسألة لا تقتصر على البعد المحلي، بل ترتبط بسياق إقليمي أوسع تحكمه تطورات متسارعة ومنافسة متزايدة في شرق المتوسط، ولا سيما بين إسرائيل وتركيا وقبرص واليونان، إلى جانب مصر التي ترتبط بشراكات وثيقة مع إسرائيل وقبرص في ملف الغاز. وفي المقابل تسعى اليونان وتركيا إلى تكريس دور فاعل لهما في المنطقة في ظل التحولات الجيوسياسية الأخيرة، لا سيما تراجع النفوذ الإيراني وضعف دور ’حزب الله‘، مما يدفع هذه الدول إلى تعزيز انخراطها في ترتيبات الطاقة الإقليمية”.

سفينة حفر تابعة لمجموعة “إنرجين” عند حقل بحري للغاز قبالة سواحل إسرائيل في شرق البحر المتوسط (رويترز)
توجه لبنان
وتابعت هايتيان أن “الاتفاق بين لبنان ومصر يأتي ضمن مسار إقليمي أوسع يطرح تساؤلات حول وجهة لبنان في خارطة التحالفات الطاقوية، إذ تسعى هذه الدول إلى تعزيز حضورها في ملف الغاز والطاقة، ضمن منافسة إقليمية تشكل الإطار العام لهذه التحركات”.
أما مذكرة التفاهم بين لبنان ومصر في مجال التعاون الغازي، فاعتبرت هايتيان أنها “لا تمثل خطوة جديدة بالكامل، بل تندرج ضمن مسار بدأ منذ عامي 2021 و2022، وتشكل تطوراً إضافياً في هذا الاتجاه”، مشيرةً إلى أن “وزير الطاقة أوضح أن لبنان سيلجأ إلى شراء الغاز من مصر عندما يتوافر لديها، غير أن هذا الخيار يبقى مرتبطاً بواقع السوق المصرية نفسها، إذ تعاني مصر نقصاً في الإنتاج المحلي، مما يدفعها إلى استيراد نحو 60 في المئة من احتياجاتها من الغاز من إسرائيل”.
وتوقعت أن “تتغير هذه المعادلة تدريجاً بعد تنفيذ خطط التوسع في إنتاج الغاز في إسرائيل، التي وافقت عليها حكومة بنيامين نتنياهو، حيث يُنتظر أن تدخل كميات إضافية من الغاز إلى السوق المصرية خلال العامين المقبلين. وتشير التقديرات إلى أن حجم إمدادات الغاز إلى مصر قد يرتفع بصورة أكبر بعد عام 2030، مما قد يفتح المجال نظرياً أمام تصدير جزء من هذه الكميات إلى لبنان”. وأضافت أنه “يمكن قراءة هذه التطورات في إطار مسار تدريجي للتعاون والتكامل الاقتصادي في المنطقة، حيث يبدو أن لبنان يتجه تدريجاً للتموضع ضمن محور يضم مصر والأردن وإسرائيل. غير أن مسألة انضمامه الفعلي إلى محور دول منتدى غاز شرق المتوسط تبقى رهن الخيارات السياسية المقبلة، وما إذا كان لبنان سيختار تعزيز التعاون ضمن هذا الإطار بهدف الحد من أي نفوذ تركي محتمل في ملف الطاقة”.
العقدة التركية
ورأت هايتيان أنه “في موازاة ذلك يبرز عامل إضافي يتمثل في عدم استكمال اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، وهو ملف لا يزال عالقاً، ولم يأخذ في الاعتبار بصورة كافية حساسية الموقف التركي في ظل اعتراض أنقرة على عدد من الترتيبات الإقليمية القائمة، مما يضفي بُعداً سياسياً إضافياً على توجه لبنان وخياراته الطاقوية في المرحلة المقبلة”.
تحديات تقنية
من الناحية التقنية قالت المهندسة جيسيكا عبيد، الشريكة المؤسِّسة في شركة نيو إنرجي للاستشارات، إن “طرح استيراد الغاز إلى لبنان ليس مستحيلاً من الناحية التقنية، إلا أنه يواجه سلسلة تحديات معقدة التي لا يمكن تجاوزها بسهولة أو بسرعة”، موضحةً أن “لبنان لا يزال في مرحلة التفاهمات الأولية، حيث بدأت تظهر تحديات تقنية تحتاج إلى وقت لمعالجتها، ولا سيما ما يتعلق بخطوط نقل الغاز العربية، فضلاً عن الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية داخل سوريا في إطار إعادة الإعمار بعد النزاع، وهي عملية قد تستغرق ما بين 4 و5 أشهر في الأقل”.
قدرة محدودة
أشارت عبيد إلى أن “التحدي الثاني يتمثل في الواقع التقني داخل لبنان نفسه، إذ تفتقر البلاد إلى بنية تحتية مخصصة للغاز”، مشيرةً إلى أنه “في حال استيراده، فلن يكون بالإمكان استخدامه سوى في معمل دير عمار، الذي يحتاج بدوره إلى أعمال تأهيل تقنية يُفترض أن تستغرق نحو شهر”. وتابعت أن “الإشكاليات لا تقتصر على الجوانب التقنية، بل تمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية، حيث يبقى السؤال الأساس مرتبطاً بمصدر الغاز وسعره والكلفة النهائية لوصوله إلى لبنان، لا سيما أنه سيمر عبر دول أخرى، مما يفرض رسوم عبور وأعباء إضافية”، معتبرةً أن “هذا العامل بالغ الأهمية، خصوصاً في ظل الأخطار الجيوسياسية القائمة، والتي قد تؤدي إلى التزام لبنان بعقود غاز مرتفعة الكلفة على المدى المتوسط، في وقت يعتمد فيه حالياً على النفط بأسعار منخفضة نسبياً”.
وشددت عبيد على “ضرورة إجراء دراسة جدوى اقتصادية شاملة تقارن بين كلفة الغاز وجدواه الفعلية بالنسبة للبنان، وتأخذ في الاعتبار الحاجة إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية، بما في ذلك إنشاء مرافق تخزين وشبكات نقل قادرة على تزويد معامل الإنتاج بنحو نصف القدرة الإنتاجية المتوافرة حالياً في البلاد”.
ولفتت إلى أن “هذه المعطيات تتقاطع مع واقع جيوسياسي غير مستقر في المنطقة، بما في ذلك الوضع في سوريا، مما يضيف مستوى إضافياً من الأخطار على أي مشروع طويل الأمد في هذا المجال”.
وأشارت إلى أن “لبنان يفتقر حالياً إلى القدرة المالية اللازمة لإعادة تأهيل خطوط الأنابيب أو بناء بنية تحتية جديدة للغاز واستيراده”، مذكرةً بأن “البنك الدولي كان قد أبدى في السابق استعداداً للمساهمة في تمويل جزء من هذه الكلفة، شرط قيام الدولة اللبنانية بإصلاحات بنيوية والحد من الهدر، وهي شروط لم تُنفَّذ حتى اليوم”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حلول ترقيعية
أكدت عبيد أن “الإشكالية الأساسية لا تكمن في تغيير وزير الطاقة أو اعتماد حلول ظرفية، بل في غياب رؤية واضحة ومستدامة لقطاع الطاقة”، معتبرة أن “لبنان لا يزال يعتمد مقاربة ’الحلول السريعة‘ لتأمين الكهرباء، وهي مقاربة أثبتت على مر السنوات كلفتها العالية وفشلها البنيوي، في ظل استمرار عدم الاستقرار الجيوسياسي في المنطقة، مما قد ينعكس سلباً على أي مشروع من هذا النوع”.
الاتفاقات لا تعوض غياب الاستراتيجية
من جهة ثانية قال الدكتور بيار سعادة رئيس منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنسق ملف مكافحة الفساد في شبكة العدالة في إدارة الموارد، إن “توقيع مذكرة التفاهم مع مصر يشكل، بحد ذاته، خطوة إيجابية في مسار تأمين قدرات إضافية في مجال الطاقة على المدى الطويل، ودعم قطاع الكهرباء اللبناني المنهك، ولا سيما أنها تمثل خياراً أفضل من الاستمرار في الاعتماد على استيراد الفيول”، مشيراً في المقابل قال سعادة “تبقى هذه المذكرة غير كافية لمعالجة عمق أزمة الطاقة في لبنان، خصوصاً في ظل استمرار الفجوات في التغذية الكهربائية بين مختلف المناطق”. وأضاف أن “التحدي لا يقتصر على توقيع الاتفاقيات أو تغيير طاقم العمل في قطاع الطاقة، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة امتلاك الدولة رؤية واضحة تواكب التحولات العالمية المتسارعة في مجال التحوّل الطاقوي”، مشيراً إلى أن “لبنان، وإن كان يتجه إلى استيراد الغاز، لا يزال مطالباً بالإجابة عن سؤال أساس: ما سياسته الطاقوية، وما موقعه وخياراته الاستراتيجية ضمن هذا التحول العالمي؟ وكيف يواكب عملياً هذا المسار المتغير؟ بدل الاكتفاء بردود فعل ظرفية”. وتابع أن “هذه الخطوة ينبغي أن تُستكمل بسياسات عامة متكاملة تضمن توفير طاقة مستدامة، عادلة، وميسورة الكلفة على المستوى الوطني”، معتبراً أن “المشكلة الأعمق تكمن في غياب استراتيجية طاقة شاملة تحدد بوضوح مستقبل القطاع، وتوحد مقاربة الدولة في مجالات النفط والغاز والطاقة المتجددة”.
حوكمة وإصلاح
لفت سعادة إلى أن “نجاح مذكرة التفاهم، كما سائر القرارات والقوانين ذات الصلة بقطاع الطاقة، يبقى رهن حسن التنفيذ، من خلال ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة وإقرار الإصلاحات المؤسسية المطلوبة”، مؤكداً “أهمية التزام لبنان بالمبادرات الدولية، وفي مقدمها مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI)”، مشيراً إلى أن “وزراء سابقين أخفقوا في استكمال هذا المسار”، ومعرباً عن أمله في أن “يلتزم الوزير الجديد بإنجاز عضوية لبنان الكاملة في المبادرة”. وأكد أن “مذكرة التفاهم تفتح فرصاً جديدة لتلبية حاجات لبنان من الطاقة”، إلا أن أي نهوض فعلي بالقطاع، برأيه، “يبقى مشروطاً بتوافر أسس بنيوية لا يمكن تجاوزها، أبرزها نظام ديمقراطي راسخ، ومواطنون فاعلون، وإدارة عامة شفافة، وآليات رقابة قوية”، داعياً إلى “تعزيز هذه المقومات بدعم من منظمات المجتمع المدني الوطنية والدولية ذات الخبرة والاختصاص”.
