«نسمات مصفوت» في عجمان و«بين نخيل قدفع» في الفجيرة ليس مجرد مهرجانين، وإنما هما نافذتان مفتوحتان على رؤية وطنية عميقة تعيد تعريف المكان والإنسان والتنمية. فمع اختتام فعاليات مهرجانات قرى الإمارات، بدا المشهد أوسع من احتفال، وأعمق من ترفيه، كان حديثاً صريحاً عن التحول الذي تشهده القرى الإماراتية، وعن أدوار مجلس الإمارات للتنمية المتوازنة في صناعة هذا التحول.
لقد عبرت الإمارات، بفضل الرؤية الثاقبة للقيادة الرشيدة، إلى فضاء التنمية الشاملة، حيث امتدت يد البناء والتعمير لتشمل كل شبر من أرض الوطن. وجاءت هذه المهرجانات شاهداً حياً على هذا التحول، إذ شهدت إقبالاً لافتاً من الزوار، ونجحت في مزج الأصالة والمعاصرة، وتقديم تجربة ثقافية وسياحية متكاملة تعكس غنى التراث والتنوع الاجتماعي.
تنظيم المهرجانين انسجم مع توجيهات القيادة الرشيدة في الحفاظ على الموروث الثقافي والبيئي، وتعزيز الهوية الوطنية، بالتوازي مع دعم مسارات التنمية المستدامة، خاصة الاقتصادية والسياحية. فهذه الفعاليات لم تكتفِ بإحياء الفنون الشعبية والحرف التقليدية، بل أسهمت في تنشيط الاقتصاد المحلي، وفتحت آفاقاً جديدة للاستثمار السياحي في المناطق الريفية، بما ينعكس مباشرة على جودة الحياة والاستقرار الاجتماعي.
وقد تشرفت بمتابعة جانب من «نسمات مصفوت» في تلك البقعة الغالية من هذا الوطن الغالي. وما يلفت الانتباه أن هذه المهرجانات قدمت برامج تفاعلية استهدفت جميع أفراد المجتمع، من أنشطة رياضية وترفيهية إلى ورش عمل حية تعكس أصالة الموروث الثقافي، في تجربة متكاملة رسخت مكانة قرى الإمارات كوجهات سياحية واعدة.
اعتماد مجلس الوزراء تشكيل مجلس الإمارات للتنمية المتوازنة في فبراير 2022، برئاسة سمو الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان، شكّل خطوة استراتيجية لترسيخ مفهوم التنمية المتوازنة، عبر مشاريع مستدامة تدمج الحلول البيئية الخضراء والتقنيات الحديثة، وتخلق روافد اقتصادية جديدة تدعم الاقتصاد الوطني.
بين نسمات مصفوت ونخيل قدفع، تتجسد قصة وطن يؤمن بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وتزدهر حين تتجذر في المكان، وتحمل في جوهرها هوية لا تنفصل عن المستقبل، وفي المحصلة، تؤكد هذه المهرجانات أن التنمية ليست أرقاماً أو مشاريع إسمنتية فحسب، بل حالة وعي وانتماء، تُبنى بالثقافة وتترسخ بالهوية ويقودها الإنسان. فحين تتحول القرى إلى منصات للإبداع والفرح، وحاضنات للتراث والاقتصاد معاً، فإننا نكون أمام نموذج إماراتي متفرد في التنمية المتوازنة، نموذج يكتب فصلاً جديداً من قصة وطن زرع جذوره عميقاً في الأرض، ويمد ظلاله بثقة نحو المستقبل.