ليس مشهدًا فقط.. الوطن تجربة حسية في موسم الرياض
ليست كل الرحلات مرهونة بالطريق، فبعضها يبدأ من فكرة، ويستقر في الوجدان. في تجربة «فلاينق أوفر السعودية»، إحدى تجارب موسم الرياض، لا يُطلب من الزائر أن يقطع مسافة، بل أن يغير زاوية نظره؛ أن يرى الوطن من الأعلى، لا بوصفه جغرافيا مألوفة، بل بوصفه معنى يُعاد اكتشافه.
التحليق هنا ليس حركة في الهواء، بل انتقال ذهني من الاعتياد إلى التأمل. من الأعلى، تتبدل صورة المكان؛ الصحراء لا تعود فراغًا، بل ذاكرة ممتدة، والمدينة تخف ضوضاؤها لتظهر ككائن حي نابض بالتفاصيل، والبحر لا يبدو حدًا، بل أفقًا مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي. كأن التجربة تعيد ترتيب الداخل قبل أن تعيد ترتيب المشهد الخارجي.
ما يميز هذه التجربة أنها لا تخاطب العين وحدها، بل تشتغل على الحواس مجتمعة؛ صورة فائقة الدقة تفتح المشهد، حركة متزامنة تمنح الجسد إحساس التحليق، مؤثرات صوتية تُعيد تشكيل الفضاء، وحتى الإحساس بالهواء الذي يمرّ كفكرة عابرة بين الواقع والتخيل. وتكتمل الرحلة حين تتسلل الروائح بوصفها ذاكرة خفية؛ رائحة الحرم المكي والنبوي بما تحمله من سكينة وقداسة، ورائحة البحر الممزوجة بالملح والانفتاح، والهواء الذي يلامس الحواس كنسمة عابرة. عندها، لا يعود المكان إطارًا بصريًا ثابتًا، بل يتحول إلى ذاكرة حية تُستدعى لا عبر السرد، بل عبر الشعور.
في هذا السياق، لا تُقدم التقنية بوصفها أداة إبهار، بل بوصفها لغة قادرة على نقل العلاقة مع الوطن من مستوى المشاهدة إلى مستوى المعايشة. فالوطن، في هذه الرحلة، لا يُرى فقط، بل يُسمع ويُحس ويُعاش في دقائق مكثفة، لكنها محملة بالرموز والدلالات، تترك في الوجدان أثرًا أطول من زمن التجربة نفسها.
«فلاينق أوفر السعودية» ليست عرضًا سياحيًا بقدر ما هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة مع المكان؛ علاقة لا تقوم على القياس والمسافة، بل على الأثر والانتماء. إنها تذكير هادئ بأن فهم الأمكنة لا يتحقق دائمًا بالاقتراب، وأن الارتفاع أحيانًا يمنحنا وضوحًا أكبر.
في لحظة صمت نادرة وسط صخب اليومي، يكتشف الزائر أن التحليق ليس هروبًا من الأرض، بل طريق آخر للعودة إليها. فحين نرى الوطن من الأعلى، لا يبدُ أبعد… بل أكثر قربًا، وأكثر حضورًا في الذاكرة.
