ألكسندر باين، المخرج الستيني وصاحب رصيد مهم من الأفلام الأميركية والهوليوودية كان آخرها “ذا هولدوفرز” مع المدهش بول جاماتي، هو سينيفيلي أو هاوي سينما، من الطراز الرفيع. في ما يتعلق بالعروض الاستعادية للأفلام البريطانية في فترة ما بعد الحرب (1945 – 1960) التي نظمها لوكارنو، لا يخفي أحكامه الشخصية: “الفيلم الذي استمتعت به أكثر من أي فيلم آخر كان “الجحيم مدينة” لفال غست، فيلم جيد جداً، شعرت ببعض الخيبة تجاه “جعلوني مطلوباً” لألبرتو كافالكانتي… ربما كان من الظلم أن أشاهده مباشرة بعد ’الجحيم مدينة‘، لكنه لم يترك الأثر الذي كنت أتوقعه”. تعليق يضعك فجأة أمام حقيقة ننساها أحياناً: متعة الحديث عن السينما مع السينمائيين، بعيداً من أفلامهم ومن همّ تمويلها المزمن، ولدينا في هذا المجال نماذج كثيرة من برتران تافيرنييه إلى بيتر بوغدانوفيتش. 

thumbnail_1.jpg

ألكسندر بان هاوي مشاهدة الأفلام (اندبندنت عربية) 

باين، السينمائي من أصول يونانية الذي أنجز أفلاماً أصبحت من الكلاسيكيات مثل “عن شميدت” بطولة جاك نيكلسون و”طرق جانبية” مع بول جاماتي، لا يتعامل مع تاريخه المهني باعتباره إنجازاً منجزاً، لديه ما يكفي من الثقة في الذات ليسخر من نفسه، فلا يوجد أسوأ من الفنانين الذين يأخذون أنفسهم على محمل الجد. حين أسأله عن الجائزة التكريمية التي أسند في لوكارنو، وهي جائزة تمنح عادة لمن تجاوزوا ذروة عطائهم، يرد ضاحكاً: “أعتقد أن الإدارة كانت في حال من اليأس، إذ لم يتمكنوا من إيجاد شخص أكبر سناً مني”، ثم يستدرك بجدية أقل تهكماً: “آمل أن أكون مثل مانويل دو أوليفيرا وأستمر في الإخراج لـ40 سنة مقبلة. هذا شرف كبير لي… من الرائع أن ينال عملي الاعتراف، وبخاصة أنني مخرج أميركي ويقدر عملي خارج بلدي”.

لكن خلف هذا الاعتراف، ثمة قلق مكتوم على مصير السينما التي يؤمن بها، ومع ذلك، لا يسمح لهذا القلق أن يتحول إلى شلل، “كمحترف، لا يسعني التفكير في هذا الأمر كثيراً، كل ما يمكنني التركيز عليه هو: ما هو فيلمي القادم؟ ما هو السيناريو؟ كم الموازنة؟ من هم الممثلون؟”.

في قلب علاقة باين بالسينما تقف اللغة البصرية، تأثره بالسينما الصامتة هو مرجع ثقافي بقدر ما هي ممارسة فعلية، يقول: “أشعر بسعادة غامرة عندما أخرج مشاهد صامتة، بخاصة الكوميدية منها، العمل مع الممثلين شيء ممتع”. لكنه في الوقت نفسه يرفض النظرة التبسيطية التي تمجد الصمت وتدين الصوت، “أحب أيضاً ما تقدمه السينما الناطقة: الموسيقى، أعتقد أن الموسيقى واحدة من أعظم مساهمات السينما الناطقة”.

3.jpeg

جاك نيكلسون في فيلم “عن شميدت” (ملف الفيلم)

أما التعليق الصوتي، ذلك العنصر الذي كثيراً ما يعامل بريبة في مدارس السينما، فيدافع عنه باين بشغف واضح: “أنا من أشد المعجبين به، أحبه عند بيلي وايلدر أو ستانلي كوبريك… لا أعرف لماذا ينتقد التعليق الصوتي في مدارس السينما وكتب تعلم السيناريو. نعم، تم استخدامه أحياناً لترقيع أفلام معطوبة، لكنه يمكن أن يكون فناً في ذاته”. يذهب أبعد من ذلك حين يقول: “حتى إنني أحب الراوي بصيغة الغائب، كما في ’باري ليندون‘ لكوبريك. هناك شيء أحاول دائماً أن أضعه في الحسبان، وآمل أن يظهر في أفلامي: إذا قررت إطفاء الصوت، عليك أن تستطيع قادراً على الفهم والمتابعة، لا أقصد متابعة فيلم تافه على الطائرة بلا صوت، بل بطريقة تحترم نزاهة السرد البصري”. 

هذا الذي نشأ على سينما السبعينيات ولا سيما “هوليوود الجديدة”، حين يستدرج إلى الحديث عن العصر الذهبي لهوليوود، لا يخفي إعجابه ولا غيرته، “لا يمكنك أن تكون بيلي وايلدر، فقط هو كان بيلي وايلدر”، يقولها بحسم، ثم يضيف: “الاستوديوات آنذاك كانت تملك أقساماً كاملة: أزياء، مونتاج، إنتاج، كلها تدعم المخرج بشكل مباشر، أنا أغار من ذلك”.

4.jpeg

جورج كلوني في “الأحفاد” (ملف الفيلم)

في نظره، الاستثناء الوحيد حالياً هو ستيفن سادربرغ: “يصنع نحو ثلاثة أفلام في العام… قد لا يشاهدها الجميع، لكنها مثيرة. كنت تمنيت لو كانت لي مسيرة شبيهة بمسيرة جورج ستيفنز أو فرانك كابرا أو ليو مكاري، بدأ هؤلاء في الكوميديا الصامتة ثم انتقلوا إلى أعمال أكثر إنسانية وعمقاً عندما ظهرت السينما الناطقة”. 

الكوميديا، في عالم باين، أداة معرفة. السخرية، في رأيه، ليست قسوة مجانية، إنها الشكل الأرقى، وفي نظره أيضاً ثلاثة تمكنوا منها: الإيطاليون والفرنسيون والإيطاليون. حين يسأل لماذا يكون مخرجو الكوميديا بارعين في التعبير عن المشاعر، يجيب: “الكوميديا تمنحك نظرة أعمق إلى التجربة الإنسانية، وهذا البعد غالباً ما يكون مفقوداً في الأفلام الدرامية. الحياة مليئة بالفكاهة باستمرار”. يستدعي تشابلن، وديه سيكا، وتشيخوف، الذي يقول إنه كان سيصبح كاتب سيناريو عظيماً لو لم يمت باكراً، ويختم بفكرة تلخص رؤيته: “هناك توازن، على غرار الأرجوحة، بين دراما تتخللها لحظات كوميدية، وكوميديا تتخللها لحظات درامية، وهذا ما يجعل السرد أكثر ثراءً”.

thumbnail_5.jpg

جورج جاماتي في فيلم “ذا هولدوفرز” (ملف الفيلم)

ربما لهذا السبب يعود اسمه دائماً إلى فيلم “انتخاب” (1999). يعترف: “هو الفيلم الذي ما زلت أتلقى عنه أكبر عدد من المجاملات. يلتقط بشكل دقيق ما يعنيه أن تكون في المدرسة الثانوية في أميركا من دون تجميل أو مبالغة. إيقاعه مثل سمكة القرش، لا يتوقف أبداً. في التسعينيات كان معظم أفلام المدارس الثانوية التجارية تعتمد على ممثلين في العشرينيات من أعمارهم، بتسريحات شعر مثالية وإضاءة شمسية ساطعة تتسلل من النوافذ، أما ’انتخاب‘، فقد صور في مدرسة عادية، وبمشاركة طلاب حقيقيين. وكنت حريصاً على اختيار ريز ويذرسبون لأنها بدت مقنعة تماماً في دور طالبة ثانوية. يتميز الفيلم أيضاً بنبرة ساخرة، وربما حتى لاذعة، هذا النوع من السخرية أو ما يشبهها هو ما يمنح الأفلام عمراً أطول، يكفي أن ننظر إلى ’سانست بوليفارد‘ أو ’دكتور سترينجلاف‘، هذا الحس الفكاهي الساخر، وأحياناً القاسي، هو ما يضفي على الفيلم طابع الخلود”. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا يبدو باين معنياً بتقديم شخصيات “لطيفة”، يسأل متحدياً: “أي مشاهد يرغب في رؤية شخصيات لطيفة؟ هل الترمينايتور لطيف؟ أو مايكل كورليوني؟ أو أليكس في ’البرتقالة الآلية‘؟”. يستعيد درساً مبكراً من أستاذه في الجامعة: “الناس يشتكون من الجنس والعنف، لكن هذا هو أصل الدراما. ما قصة أوديب؟ قصة رجل يقتل والده وينام مع والدته. لا أحد سيشتري تذكرة لفيلم عنوانه ’قرية الناس السعداء اللطفاء‘، الشخصيات يجب أن تكون مثيرة، لا بالضرورة لطيفة”.

اليوم، بعد 40 عاماً على انطلاقه، ينظر إلى أفلامه بلا قداسة: “تشاهد الفيلم وتقول في سرك: لماذا فعلت ذلك؟… ثم يمر مزيد من الوقت، وتسامح نفسك وتقول: هكذا كنت في ذلك الوقت. هذه سُنة الحياة، بعدما تنجز فيلماً، تضطر إلى مشاهدته آلاف المرات، لدرجة أنك لا تريد رؤيته مجدداً”. من بين أعماله، يرى أن “ذا هولدوفرز” حقق توازناً نادراً: “قصته جيدة، وغير مألوفة، وتنتهي بلحظة عاطفية عندما تودع الشخصيات بعضها بعضاً”.

لدى باين قناعة بأنه أنجز الأفلام التي كثيراً ما حلم بها، ولو أنه كان يتمنى تقديم مزيد منها، لكن حين يسأل أخيراً عما يجده في أوروبا ولا يجده في بلاده أميركا، يجيب ببساطة سياسية واضحة: “في كثير من الدول الأوروبية، هناك توزيع مدعوم من الحكومة لضمان عرض السينما المحلية جنباً إلى جنب مع الأفلام التجارية الأميركية المسيطرة، وهذا أمر رائع”.