فى السنوات الأخيرة، لم تعد المبادرات الثقافية الكبرى حكرًا على المؤسسات الرسمية وحدها، بل ظهرت تجارب فردية استطاعت، بالإصرار والرؤية، أن تصنع تأثيرًا ملموسًا فى علاقة القارئ بالكتاب، من بين هذه التجارب، تبرز تجربة إسلام وهبان، التى انطلقت من الصحافة الثقافية، وتطورت إلى مشروع مجتمعى تفاعلى يسعى إلى إعادة تعريف دور القارئ ومكانة الكتاب فى الحياة اليومية.


عبر “مكتبة وهبان”، لم يكتف إسلام وهبان بإدارة منصة رقمية للقراءة، بل عمل على سد فجوات واضحة فى المشهد الثقافي، وبناء جسور تواصل بين الكاتب والناشر والقارئ، مستفيدًا من أدوات السوشيال ميديا، ومن النزول إلى الواقع بمبادرات وجولات وأنشطة أعادت للمكتبة دورها بوصفها فضاءً حيًا للمعرفة.

فى هذا الحوار، يفتح إسلام وهبان مسار تجربته، ويتحدث عن التحولات التى صاغت رؤيته.. فإلى نص الحوار:


 


1- بدأت رحلتك بتحول إجبارى من تعلم الهندسة إلى التجارة..  كيف ساهمت تلك “التحولات الإجبارية” فى صياغة إرادتك؟

 


بالفعل كانت أمنيتى منذ الصبى أن اصبح مهندسا، وكنت متفوقا فى دراستى بجميع مراحل التعليم، ولا زلت أتذكر مراهنات معلمى الرياضيات معى لحل أصعب المسائل الحسابية وفوزى بها، وإيمانهم الشديد وفخرهم بذلك التلميذ المشاغب الذى يعشق الرياضيات والمواد العلمية والمعرفة بشكل عام، وتوقعهم بدخولى كلية الهندسة وتحقيق مستقبل باهر، لأننى لم أكن فقط طالب مجتهد يحصد الدرجات فحسب، بل كنت بالنسبة لكل من يعرفنى مثال حى على التميز والأمل.

لكن كما يقال دائما “تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن”، فلم أتمكن من الوصول لمجموع كلية الهندسة، ورغم حالة الحزن التى انتابتنى وقتها إلا أننى لم أجد مفرا من المحاولة والاستمرار فى الطريق ولو تغيرت البوصلة، واتجهت لدراسة المحاسبة وفنون الإدارة بكلية التجارة بجامعة عين شمس، وبعد التخرج ورغم تفوقى الدراسى بالجامعة وحصولى على دورات تدريبية مميزة فى المحاسبة واللغات وغيرها من الدورات التى تؤهل لسوق العمل، وجدت أننى محاصر بنظرة الآخر للكرسى المتحرك الذى أجلس عليه، والحكم المسبق على قدراتى الوظيفية والمهنية، وكانت جملة “معلش ما بنوظفش الـ5%” بمثابة خنجر فى ظهري، وظللت أبحث عن وظيفة لمدة عام كامل، وبعد التوظيف فى إحدى شركات القطاع الخاص بعدة سنوات اتجهت للعمل بالصحافة الثقافية.

أعتقد أن “التحولات الإجبارية” التى تعرضت لها طوال حياتى منذ طفولتي، وليس فقط فى المرحلة الثانوية، كانت منحة إلهية تزيدنى رغبة فى الحياة وإصرارً على التميز وترك الأثر، ومحاولة رؤية العالم بصورة أكثر واقعية، فكل إحباط أو قيد كان يربى بداخلى رغبة على تعلم الاجتياز والتفكير فى الحلول والبدائل، ومحاولة التفكير خارج الصندوق، وأظن أن هذا ساعدنى بشدة فى عملى بالمجال الثقافى وكيفية إدارة المنصات الثقافية والتعامل مع الجمهور والرغبة فى تقديم صحافة ثقافية أو محتوى ثقافى تفاعلى وخدمى يفيد جهات ومؤسسات ثقافية عدة، ومحاولة فهم تحديات سوق الكتاب والعمل على حلها والتعامل بوعى أكبر مع نوع وطبيعة المنتج الثقافى الذى نقدمه.

إسلام وهبان
إسلام وهبان


 


2- فى مكتبة وهبان.. كيف استطعت خلق حلقة الوصل المفقودة بين أطراف العملية الثلاثة (الكاتب، الناشر، والقارئ) ؟

 


منذ عملى بالصحافة الثقافية عام 2015، كنت أرى أن هناك فجوة كبيرة بين ما يحتاجه القارئ وما تقدمه الصحافة الثقافية، سواء فى نوعية التقارير أو الموضوعات المقدمة أو صيغة المحتوى المقدم، كذلك قصور شديد فى الوصول للملتقى بمختلف شرائحه واهتماماته، رغم ثراء وغزارة المنتج الثقافى المصري، وعدم وجود قنوات سريعة وعصرية للتواصل بين أطراف العملية القرائية (الكاتب – الناشر – القارئ)، هذه الفجوات هى ما عملت على سدها من خلال عملى سواء فى إدارة المنصات والجروبات الثقافية أو كمستشار إعلامى للعديد من دور النشر العربية والمحلية.

فرغم الفضاء الإلكترونى الشاسع وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن الاهتمام بالمحتوى الثقافى والتشجيع على القراءة كان شبه غائب وكان الحديث عن الأدب والمعرفة حبيس ندوات ومناقشات لا تتخطى جدران الصالونات الثقافية التقليدية أو عتبات قاعات المؤسسات الثقافية الرسمية، ولم يكن القارئ فاعلا فى العملية الثقافية بشكل كبير، وحتى مسئولى إدارات التسويق فى دور النشر الخاصة، لم يكن لديهم أى دراية بأهمية منصات التواصل الاجتماعى وضرورة خلق قنوات للتواصل مع الجمهور أكثر فاعلية.


خلال السنوات الماضية بداية من إدارتى لنادى القراء المحترفين ثم تأسيسى لجروب ومدونة “مكتبة وهبان” وأنا أحاول تغيير مفهوم إدارة المحتوى الثقافى عبر السوشيال ميديا، وتحريك الماء الراكد وتقديم محتوى ثقافى وصحافة ثقافية أكثر عصرية تخدم صناعة النشر وتزيد من وعى القارئ العربى وتقدم له خدمة ثقافية احترافية وتفتح له آفاقا جديدة من المعرفة وتساعده على تطوير مهاراته وخبراته القرائية من خلال مبادرات وأنشطة ثقافية متنوعة طوال العام، وفق جدول زمنى واضح ومرن يجعله شريكا فى الحدث وعضوا فاعلا فى العملية الثقافية وليس مستهلكا أو متلقيا فحسب.

خلال هذه الفترة نجحنا فى اكتشاف عدد كبير من المواهب الشابة وسط مجموعات القراءة ومساعدتهم على نشر عملهم الأول وفاز بعضهم بجوائز أدبية كبرى، كذلك مساعدة وتشجيع العديد من القراء على الكتابة عن الأعمال الأدبية بحس نقدى رائع فى محاولة لمعالجة القصور الذى تعانى منه الحركة النقدية فى متابعة الساحة الأدبية، وذلك من خلال ورش ودورات تدريبية عبر مكتبة وهبان عن كيفية كتابة المقالات النقدية أو كيفية فهم ونقد الأعمال الأدبية، وتنظيم مسابقات لأفضل مقال أو أفضل ريفيو وتشجيعهم بنشر هذه المقالات بمواقع ثقافية ودوريات أدبية. بالإضافة إلى ذلك أصبح هناك وعى واهتمام أكبر لدى الناشرين بأهمية السوشيال ميديا والتعرف على احتياجات سوق الكتاب بشكل أقرب وأكثر واقعية.

إسلام وهبان  في إحدى الفعاليات
إسلام وهبان في إحدى الفعاليات


 


3- تعتمد استراتيجيتك على التكامل بين “فيسبوك للتفاعل”، و”يوتيوب للبصر”، و”المدونة للعمق التحليلي”. هل كان هذا التوزيع مدروساً منذ البداية أم أنه تطور تلبيةً لاحتياجات الجمهور المتنوعة؟

 


سأكون صادقا معك.. لم يكن لدى توقعات فى البداية أن يحقق جروب ثقافى كل هذا النجاح أو التغيير، كانت لدى رؤية أردت تحقيقها بتدشين منصة رقمية ثقافية مؤثرة ورغبة حقيقية لإحداث فارق، لكن لم أكن أعلم أن سوق الكتاب متشوق بشدة لكل هذه الأفكار، وأن المشهد الثقافى سيتغير بهذه السرعة، أو أن أجد كل هذا الاحتفاء والإقبال على ما نقدمه من مبادرات وفعاليات، لذا كان التركيز فى البداية منصبا على ترسيخ المفاهيم وإظهار الفارق وإحداث تغيرات نوعية ونتائج فارقة وملموسة سواء من خلال تقديم خدمات مميزة للقارئ أو فعاليات وأنشطة يرى الكاتب والناشر من خلالها مدى الاهتمام وحجم الجمهور الفاعل والمشارك ومدى تأثير ذلك على سوق الكتاب، فكان الاهتمام الأكبر فى ذلك الحين بالفيسبوك كأهم وأبرز منصة يتفاعل عليها المصريين.


مع الوقت واكتشاف تنوع شرائح وفئات القراء واهتماماتهم واتساع رقعة تأثير “مكتبة وهبان” وما نقدمه خارج الحدود المحلية ليشمل دول عربية عديدة سواء فى الخليج العربى أو دول شمال إفريقيا، ووجود اهتمام كبير من كُتاب وناشرين وقراء عرب بما نقدمه، ودعوتنا كأول جروب ثقافى مصرى لتغطية معارض دولية عربية مثل معرض أبو ظبى أو معرض الرياض الدولى للكتاب، جعل هناك رغبة فى الاتساع والتواجد عبر كافة منصات التواصل الاجتماعى مثل انستجرام وتيك توك وتويتر ويوتيوب، وكذلك تدشين مدونة “مكتبة وهبان” والتى حققت هذا العام أكثر من 145 ألف قراءة، وذلك لخلق ممرات ثقافية أكتر حداثة وقدرة على الوصول للجمهور وتقديم خدمة ثقافية أكثر احترافية ولوجود رغبة حقيقية لتعميق دور هذه المنصات فى مواجهة التطرف الفكرى وخلق مجتمعات قرائية وثقافية أكثر وعيا وتناغم، ولإيماننا بأننا لسنا مجرد مجموعة قراءة على السوشيال ميديا بل مؤسسة ثقافية متكاملة.

صورة بمعرض الكتاب
صورة بمعرض الكتاب


 


4- لم تكتفِ بالنجاح الافتراضي، بل نزلت للواقع بمبادرات مثل “مكتبة وهبان للكتب منخفضة التكلفة” و”جولة فى مكتبات مصر”، كيف تغلبت على العوائق لتحويل المتابعين من “قراء شاشة” إلى “رواد مكتبات حقيقيين”؟

 


هذا ما كنت أتحدث عنه منذ قليل.. نحن نعمل بديناميكية كبيرة ووفق رؤية لما يحتاجه المشهد الثقافي، ولسنا مجرد جروب قراءة، بل نعمل بشكل احترافى فى جهات مختلفة، ولا نقتصر فقط على الأنشطة عبر السوشيال ميديا، بل لدينا فعاليات عديدة على أرض الواقع، فننظم سنويا خلال معرض القاهرة الدولى للكتاب تجمعات وجولات مكتبة وهبان، والتى تضم عشرات القراء فى كل جولة، ونقوم خلالها بتوزيع عدد كبير من الكتب كهدايا للقراء، فضلا عن الخصومات الحصرية التى تقدمها دور النشر للمنضمين للجولة خلال زيارة أجنحتهم وغيرها من الأنشطة التى تحول زيارة المعرض إلى ملتقى وكرنفال ثقافى مبهج. كمان أننا نحاول دائم دراسة سوق النشر ودعمه بشكل مستمر، فحينما وجدنا أن سوق الكتاب قد تأثر بقوة بعد جائحة كورونا، وأنها أثرت بشكل كبير على حركة المبيعات فضلا عن التغيرات الاقتصادية العالمية التى اثرت على القوة الشرائية، أطلقنا مبادرات مثل “كتب أصلية مخفضة” أو “كنوز مكتبة وهبان” بالتنسيق مع عدد كبير من دور النشر، لتوفير الكتب للقراء بأسعار مخفضة، وفى الوقت ذاته تعريف القراء بكنوز دور النشر من عناوين هامة وثرية فى قد لا يعرفها القارئ أو لا يعلم كيفية الوصول إليها. كذلك مبادرة “جولة فى مكتبات مصر” التى حاولنا من خلالها إعادة مكانة المكتبة ليس كمكان لشراء الكتب لكن كبيت للقراء، يستضيف المناقشات والفعاليات الثقافية وملتقى ثقافى حيوي، فنظمنا العديد من الجولات بمكتبات عامة وخاصة للتشجيع على زيارة المكتبات ودعمها.


بالتأكيد هناك عوائق لوجيستية واقتصادية عديدة تواجهنا.. الأمر لا يتوقف فقط عند الأمنيات أو الأفكار، فبالرغم من وجود احتياج كبير فى لما نقدمه، إلا أن عدم وجود غطاء مالى ودعم مؤسسى لهذه الجهود يجعل الأمر أكثر صعوبة، ويتطلب مزيد من الجهود لتحقيق شيء ذو أثر. أتذكر أنه خلال حفل توزيع جوائز البوكر العربية، قدم رئيس مجلس الأمناء، ياسر سليمان، الشكر لمجموعات وصالونات القراءة بالإمارات، وأظهر دعم المؤسسات الرسمية لهذه الصالونات والمجموعات إيمانا بدورها وتأثيرها الهام، وهذا ما لم يتحقق حتى الآن فى مصر، فرغم الدور البارز والجهود والإسهامات التى تقدمها مجموعات القراءة فى مصر، إلا أنها لا تزال “جهود فردية” لا تتمتع بغطاء أو دعم من جهات أو مؤسسات رسمية كوزارة الثقافة أو هيئاتها المختلفة، والدعم هنا لا يقتصر على الدعم المالى بل أيضا على الدعم المعنوى والمساهمة فى رعاية الأنشطة أو استضافتها.

على الرغم من ذلك فنحن نحاول التغلب على هذه العوائق، بجهود فردية أو تشاركية أو بشراكات مع منصات ومؤسسات ثقافية خاصة، فضلا عن التعاون بشكل كبير مع اتحاد الناشرين المصريين، فى محاولة لخدمة أطراف سوق الكتاب ودعم صناعة النشر.

مع خالد جلال
مع خالد جلال


 


5- بين نموذج “النخب والمؤسسات الرسمية” والنموذج “المجتمعى التشاركي” الذى تمثله، هل تعتقد أن المتلقى العربى اليوم أصبح يثق فى “الفرد المؤسسة” أكثر من ثقته فى الكيانات التقليدية؟ وكيف أثر ذلك على وعيه بالمنتج الثقافي؟

 


المتلقى العربى يثق فى النتائج الملموسة، لا ينظر بشكل كبير لمن سيقدم له الخدمة بقدر رغبته فى أن يحصل على خدمة ثقافية بجودة عالية تتوافق مع متغيرات هذا العصر، وخطاب ثقافى عصرى يعترف بوجود فجوات عديدة ورغبة حقيقية فى سدها وعلاجها. وإدراك لقيمة وأهمية المثقف ودوره فى بناء المجتمع، لذلك تجد فى الغرب تكاملا كبيرا وتعاونا بين المؤسسات الثقافية التقليدية والجهود الفردية أو الأنشطة المجتمعية، وهو ما فطنت له بعض الدول العربية مؤخرا.


6- ما المعايير التى تحكم اختيارك للكتب المرشحة؟ وكيف توازن بين أمانتك تجاه القارئ وعلاقاتك المهنية مع الناشرين والمؤسسات؟

 


المعيار الأهم هو المهنية، أنا بالأساس صحفى وشربت معايير وأخلاقيات هذه المهنة، وكما ذكرت أحاول تقديم خدمة ثقافية احترافية، وصورة عصرية للصحافة الثقافية، لذلك لا يتوقف الأمر على ترشيحات الكتب، نحن نتعامل مع الأمر بصورة أعمق، لذا ستجد أن منصاتنا ثرية متنوعة، ستجد أخبار ثقافية وحصريات وتقارير وترشيحات ومسابقات ودورات وورش تدريبية ولقاءات ومناقشات ومقالات وريفيوهات عن الكتب وجولات وتجمعات على أرض الواقع وتغطيات للأحداث الثقافية والمعارض الدولية، وغيرها الكثير والكثير من الأنشطة والفعاليات التى تقام عبر منصاتنا لإثراء الحياة الثقافية.




لست وحدى من ينشر أو يكتب عبر جروب “مكتبة وهبان” فهو ساحة ثقافية مفتوحة للجميع للمشاركة والحديث عن الكتب وترشيحها، لذا تجد أن هناك أكثر من 25 ألف منشور يتم مشاركته من آلاف القراء والناشرين والكتاب سنويا عبر مكتبة وهبان. وأنا ضد فكرة الاحتكار أو الصوت الأوحد، وأحاول أن يكون هناك تعددية وتنوع دائم لأن هذا الضمان الأكبر للاستمرارية والمصداقية. دورى هو إدارة هذه الأنشطة وتنظيمها بشكل احترافى ومحاولة توليد أفكار جديدة لمبادرات وفعاليات ثقافية تحدث فارقا وتخدم المشهد الثقافي.