ينظر المجتمع الطبي إلى علاجات التحرير الجيني بتقنية “كريسبر” بترقب في 2026، بعد أن انتقلت من نجاحات لافتة في المختبر إلى اختبار أصعب في الواقع العلاجي، فهل تتحول إلى خدمة يمكن أن تصل إلى المرضى على نطاق واسع، أم تبقى محصورة بسبب تعقيد تطبيقها، وتكلفتها العالية، التي قد تتجاوز 2.2 مليون دولار للمريض؟

وتندرج “كريسبر” ضمن فئة العلاجات الجينية، إذ تقوم على تحرير الجينات، أي إدخال تعديل دقيق داخل خلايا المريض لمعالجة خلل وراثي من جذوره، بدل الاكتفاء بتخفيف الأعراض. 

وقد شكّلت موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية في كانون الأول/ ديسمبر 2023 على أول علاج يستخدم “كريسبر” لمرضى فقر الدم المنجلي نقطة تحول، قبل أن تتوسع الموافقة في كانون الثاني/ يناير 2024 لتشمل الثلاسيميا بيتا المعتمدة على نقل الدم، بالتوازي مع نشر نتائج فعالية لافتة خلال 2024، ما دفع المجال خطوة واضحة من المختبر إلى العيادة.

وفي 2025، دخلت كريسبر إلى الواقع العملي، مع إعلان تفعيل أكثر من 75 مركز علاج عالمياً، وهو رقم يوحي التوسع، لكنه لا يعني بالضرورة وصولاً سريعاً إلى المرضى. فقبل الحديث عن انتشار واسع، هناك متطلبات ثقيلة يجب تلبيتها، من فرق طبية مدربة، وتجهيزات وإجراءات معقدة، وصولاً إلى سلاسل إمداد دقيقة، وقدرة استيعابية محدودة تترجم في النهاية إلى مواعيد انتظار طويلة.

ومن هنا، يأتي 2026 بمثابة عام اختبار للوعود التي أطلقها اكتشاف التقنية، ومدى قدرتها على أن تصبح علاجا متاحاً بالفعل، لا مجرد تجربة متقدمة وباهظة الثمن لا يصل إليها إلا القلة، وفي هذا السياق تحدثت “النهار” إلى مختصين معنيين بتطوير  علاجات التحرير الجيني بتقنية “كريسبر”.

“التجارب المنصاتية” وتسريع المسار

من داخل معهد الجينوميات المبتكرة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، يقول مدير الاتصالات في المعهد الدكتور آندي مردوك لـ”النهار” إن مؤشر “التوسع الحقيقي”يكمن في القدرة  على تكرار النتائج خارج الحالات الاستثنائية.
ويضيف إن أول علاج جيني “عند الطلب” قائم على تحرير الجينات للطفل  كاي جي في عام 2025، في مستشفى الأطفال في فيلادلفيا، شكّل محطة فارقة، لكن ما يحسم سؤال قابلية التوسع، على حد قوله، هو “الطفل الثاني والثالث والرابع وما بعدهم”. فالنجاح مرة واحدة قد يبقى إنجازاً طبياً نادراً، أما تكراره بثبات ومعايير سلامة واضحة، فهو بداية منظومة علاجية يمكن بناؤها وتوسيعها.

ويوضح أنه في 2026 يتوقع أن تظهر أولى التجارب السريرية التي تتعامل مع تحرير الجينات كمنصة لعلاج مجموعة مرضى لديهم المرض نفسه ولكن بطفرات مختلفة، مشيراً إلى أن اضطراب دورة اليوريا الذي وُلد به الطفل كاي جي قد تسببه طفرات متعددة في الجين نفسه، وإذا أمكن تطبيق ما تعلمه الأطباء من حالة واحدة على أطفال آخرين بغض النظر عن نوع الطفرة، فهذا يعني أن المجال بدأ يتحرك من علاج “مصمم لشخص واحد” إلى علاج “قابل للتكرار”.

لكن القصة، كما يصفها مردوك، ليست علمية فقط. فهو يرى أن اعتبارات الربح لا تزال تحكم تطوير الأدوية، لذلك ظلت الأمراض النادرة مهمشة رغم كثرتها (حوالى 7000 مرض نادر).

ويضيف أن النموذج التقليدي للتجارب السريرية يعامل كل علاج جديد كأنه يبدأ من الصفر حتى لو كان الاختلاف مجرد موضع صغير في التحرير داخل الجين، ما يفرض تكرار إجراءات طويلة ومراجعات وتنظيمات وتصنيع ومتابعة، فيبطئ التطوير ويرفع التكلفة.

وفي المقابل، يطرح مردوك مسار “التجارب المنصاتية”، وهي عبارة عن تجربة واحدة تستوفي شروط السلامة، مع مرونة لتعديل الجزء المحدد فقط بحسب الطفرات، بدل إعادة بناء التجربة كل مرة، لافتاً إلى أن مؤشرات هذا التحول بدأت فعلاً، مع انفتاح متزايد لدى الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على هذا النوع من التجارب، مرجحاً اتساعه عالمياً.

ويفترض مردوك أنه في حالة نجاح هذا المسار على نطاق أوسع، قد تتحول علاجات التحرير الجيني من حلول “مفصلة” لحالة واحدة إلى علاج يخدم “فئة” كاملة من الاضطرابات الجينية، وهو ما يعني وقتاً أقل للوصول إلى المرضى، وتكلفة أقل، وفرصة أكبر لأن تدخل شركات أكثر إلى المجال في 2026، من دون الادعاء أن التحديات التنظيمية والتمويلية اختفت.

 

 تمثل التجارب المنصاتية فرصة لتوسيع تطبيقات علاجات “كريسبر “

 

مؤشرات العدالة
على خط مواز، يضع الباحث في الفوارق الصحية والعدالة الصحية والأستاذ المشارك في الطب الاجتماعي أندرو م. سوبكا السكان  والصحة العامة في جامعة كاليفورنيا ريفرسايد، معياراً مختلفاً لنجاح 2026، يختبر المستفيد.
يقول لـ”النهار” إن “مؤشرات العدالة” العملية في هذه المرحلة المبكرة تبدأ من سؤال بسيط، هل يجري إشراك أصوات المجتمعات المستهدفة ومخاوفها بجدية منذ مرحلة التصور حتى التجارب، أم يجري التعامل معها كمتلق نهائي فقط؟ 

ويضيف: مؤشر ثان هو تنوع المشاركين في التجارب، بخاصة من الفئات غير الممثلة عادة، لأن مجموعات مختلفة قد تستجيب بشكل مختلف لأدوات التحرير الجيني ومؤشر ثالث هو اتجاهات التطوير نفسها، فهل تستهدف العلاجات العبء الصحي الأكبر في المجتمع أو عالمياً، أم تذهب نحو ما تعده الشركات الأكثر ربحية؟

ويرى سوبكا أن أدوات السياسات في 2026 يجب أن تتحرك في اتجاهين، إدماج أفراد الفئات المتأثرة بوصفهم أصحاب مصلحة ومستشارين في المراحل المبكرة، ثم بوصفهم مشاركين في التجارب واسعة النطاق، وفي الوقت نفسه بناء نماذج تغطية أو آليات تنظيمية تضمن تسعيراً معقولاً يفتح الباب لوصول العلاج لأكبر فئة من المرضى. 

ويشرح أن الخطر الأكبر لتفاقم عدم المساواة هو أن تظل الفئات الأكثر احتياجاً صحياً خارج موجة الفوائد، بينما تتمتع الفئات الأكثر امتيازاً، وهي غالباً الأكثر أماناً صحياً، بنصيب أكبر من الوصول والمكاسب. وبحسب ما يقول سوبكا، فإن إشارة الإنذار المبكر ستكون في رصد “الأمراض التي يختارها المجال” في موجته المقبلة، هل تعكس فعلاً العبء الصحي الأوسع، أم تركز على حالات تخدم فئات لديها أصلاً نتائج صحية أفضل؟