لم تُقدَّم «اتفاقيات أبراهام» عند توقيعها عام 2020 بوصفها مجرد تسوية سياسية، بل رُوِّج لها كمدخل لعصر جديد من السلام والازدهار الاقتصادي في الشرق الأوسط. غير أن هذا الخطاب العلني أخفى خلفه تصورًا أقدم وأكثر براغماتية، يقوم على ما عُرف بعقيدة “السلام الاقتصادي” التي صاغها شمعون بيريز، والتي لا ترى في السلام غاية أخلاقية بحد ذاته، بل أداة لإعادة هندسة المنطقة عبر دمج رأس المال الخليجي بالتكنولوجيا الإسرائيلية. هذه الرؤية لم تنتهِ بوفاة بيريز، بل انتقلت إلى الجيل التالي، ممثلًا بنجله نحما بيريز، الذي جمع بين موقعه في “مركز بيريز للسلام والابتكار” ودوره التنفيذي في أحد أكبر صناديق رأس المال المخاطر الإسرائيلية، ما حوّل الفكرة من تصور سياسي إلى برنامج استثماري متكامل.

بعد أشهر قليلة من توقيع الاتفاقيات، بدأ هذا البرنامج يتجسد عمليًا عبر تدفق مالي استراتيجي من صندوق الثروة السيادي في أبوظبي، “مبادلة”، نحو قلب المنظومة التكنولوجية الإسرائيلية. لم يكن الأمر استثمارًا تقليديًا يهدف إلى العائد المالي فقط، بل عملية اندماج عميق بين رأس المال السيادي الإماراتي والمجمع الصناعي–العسكري–السيبراني الإسرائيلي، حيث استُخدمت الأموال لتطوير تقنيات اختراق ومراقبة وقتل، جرى اختبارها ميدانيًا في فلسطين، ثم تصديرها لاحقًا إلى ساحات صراع أخرى، من بينها السودان.

يقف في مركز هذه الاستراتيجية الشيخ طحنون بن زايد، الذي يجسد في شخصه تداخل الأمن القومي بالاستثمار والذكاء الاصطناعي. فهو مستشار الأمن الوطني، ورئيس مجلس إدارة “مبادلة”، وفي الوقت ذاته رئيس مجلس إدارة شركة “G42” المتخصصة في الذكاء الاصطناعي. هذا التمركز الاستثنائي للسلطة يجعل من الصعب الفصل بين القرار الأمني والقرار الاستثماري، إذ تتحول الاستثمارات التكنولوجية إلى أدوات ضمن استراتيجية أمن قومي أوسع، لا مجرد رهانات سوقية.

ضمن هذا السياق، ضخت “مبادلة” ما يقارب مئة مليون دولار في ستة صناديق رأس مال مخاطر إسرائيلية مختارة بعناية، من بينها Pitango وViola وMangrove وAleph وغيرها. هذه الصناديق لا تمثل أطرافًا محايدة في سوق الابتكار، بل تشكل العمود الفقري لاقتصاد التكنولوجيا الإسرائيلي، وترتبط بعلاقات عضوية مع الجيش والاستخبارات. اللافت أن هذه الشراكات لم تنشأ فجأة بعد الاتفاقيات، بل بُنيت عبر سنوات من التواصل غير المعلن، ما يشير إلى أن “أبراهام” كانت لحظة إعلان، لا لحظة تأسيس.

إحدى النتائج المباشرة لهذه الاستثمارات كانت التوسع في ما يمكن تسميته “اقتصاد مناجم البيانات”. فعبر تمويل شركات تبدو مدنية في ظاهرها، جرى الاستثمار في بنية تحتية رقمية قادرة على جمع ومعالجة بيانات المستخدمين على نطاق إقليمي واسع. المثال الأبرز يتمثل في شركة ironSource، التي طورت تطبيقات تُثبَّت قسرًا على الهواتف الذكية في المنطقة، وتقوم بجمع بيانات حساسة دون موافقة واضحة من المستخدمين. هذا النوع من جمع البيانات لا يحقق أرباحًا تجارية مباشرة، ما يعزز فرضية أن الهدف الأساسي استراتيجي، ويتمثل في السيطرة على تدفقات البيانات بوصفها موردًا جيوسياسيًا.

تتكامل هذه المنظومة عبر ما يشبه “ثالوث السيطرة على البيانات”: منصات الاستضافة مثل Wix، وشركات التحليل السلوكي مثل AppsFlyer، وأدوات الاستخراج على مستوى الأجهزة مثل ironSource. ومع تمويل هذه الشركات عبر الصناديق المدعومة من «مبادلة»، تصبح لدى الشريك الإماراتي–الإسرائيلي رؤية شاملة لدورة حياة البيانات الرقمية في الشرق الأوسط، من لحظة إنتاجها حتى تحليلها واستخدامها أمنيًا.

لكن الوجه المدني لهذه الاستراتيجية ليس سوى نصف الصورة. فخلفه يقف مجمع سيبراني–صناعي متكامل، يربط بين صناديق الاستثمار وشركات الاختراق والتجسس. في الماضي، كانت الإمارات زبونًا لتقنيات التجسس الإسرائيلية مثل “بيغاسوس” و”عين الصقر”، أما بعد الاتفاقيات، فقد تحولت إلى ممول وشريك في تطوير الجيل الجديد من هذه التقنيات. يظهر ذلك بوضوح في تمويل شركات مثل CyberArk، المرتبطة بوحدات استخبارات عسكرية إسرائيلية، والمتخصصة في تأمين أو اختراق الأنظمة الأكثر حساسية.

يتقاطع هذا التمويل مع تحالف عسكري–سيبراني رسمي تقوده شركات السلاح الإسرائيلية الكبرى، مثل الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI)، ويهدف إلى تصدير حلول سيبرانية شاملة للدول. هنا تتجلى “حركة الكماشة” الإماراتية: ذراع مالي يمول النظام البيئي، وذراع تكنولوجي يتمثل في G42 يعقد شراكات مباشرة مع قادة المجمع العسكري الإسرائيلي، ما يجعل أبوظبي شريكًا لا يمكن الاستغناء عنه في استراتيجية التصدير العسكري–التقني.

السودان مثّل إحدى ساحات “الاختبار القتالي” لهذه المنظومة. فمنذ اندلاع الحرب، وُجهت اتهامات موثقة للإمارات بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والتقنيات المتقدمة، بما في ذلك أنظمة حرب إلكترونية وتشويش تتطابق مع منتجات شركات إسرائيلية رائدة. هذا الدعم لم يسهم فقط في إطالة أمد الحرب وارتكاب انتهاكات جسيمة، بل وفر أيضًا فرصة لاختبار تقنيات جديدة في بيئة قتال حقيقية، ما يزيد من قيمتها السوقية والعسكرية.

في المقابل، تعمل غزة كمختبر أساسي لتطوير تقنيات “الاستخدام المزدوج”، حيث يتداخل البحث الأكاديمي مع التطبيقات العسكرية. مشاريع كشف الأنفاق، التي يقودها باحثون مرتبطون بمؤسسات أكاديمية وشركات سلاح إسرائيلية، تمثل نموذجًا لهذا التداخل، إذ تتحول المعرفة العلمية إلى أداة مباشرة في الحرب، ثم تُعاد صياغتها لاحقًا كمنتج قابل للتسويق عالميًا.

تتكامل هذه الحلقة مع نشوء صناديق جديدة تستثمر صراحة في “التكنولوجيا المختبرة قتاليًا”، مستفيدة من الحرب كنموذج أعمال. وبهذا يصبح رأس المال الإماراتي جزءًا من دورة ابتكار عسكري–اقتصادي، تُختبر فيه التقنيات في ساحات القتال، ثم تُسوَّق عالميًا بوصفها حلولًا متقدمة.

في بعدها الأبعد، تمتد هذه الاستراتيجية إلى قلب الصراع العالمي على رقائق الذكاء الاصطناعي. فاستثمارات “مبادلة” المتشابكة مع شركات أمن رقمي إسرائيلية، وصولًا إلى شركات تصميم الرقائق العالمية، تمنحها موطئ قدم في سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها شركات كبرى مثل Nvidia. هنا لا يعود الأمر مجرد استثمار، بل اختراق استراتيجي لمنظومة التكنولوجيا العالمية، يخدم طموحات الهيمنة الرقمية والأمنية.

في المحصلة، يتضح أن “الشرق الأوسط الجديد” الذي بشرت به عقيدة السلام الاقتصادي لا يُبنى على أسس المصالحة، بل على اندماج رأس المال السيادي الخليجي بالمجمع الصناعي–العسكري–السيبراني الإسرائيلي. “مبادلة” ليست مستثمرًا محايدًا، بل شريكًا استراتيجيًا في إعادة تشكيل المنطقة عبر السيطرة على البيانات، وتسليح الصراعات، والتأثير في مستقبل التكنولوجيا العالمية. وبهذا المعنى، لم تكن “اتفاقيات أبراهام” سوى جولة تمويل أولية لمشروع أوسع، لا تزال فصوله تتكشف تباعًا.

لتحميل الدراسة من هنا